من الأغاني الطريفة، التي كنا نزف بها عريسنا الزاهي، تحت مظلته المدعمة بالبالونات وندف القطن، والشبر الملون، و(ورق الكرنيش) والدناديش، وبعض الورود. كنا نغني بنبرة مشحونة بالتحدي (هون فرطت مسبحتي، هون لمولي إياها). فهل جربتم أن تلموا مسبحة، تناثرت حباتها، بين الأقدام في زفة صاخبة؟؟
.
لا أحبذ أن أظهر مسبحتي، الغالية على قلبي، ليس لأني أخشى عليها أن (تنفرط) في هذا الزحام، الذي ينتابنا الآن. بل لأنك حين تقف مع أحدهم، فهو ولا شعورياً، يمد يده ويأخذها منك. يتأملها، ويداعب شراشيبها، ويتفحص حجارتها، ويسألك: هل هي مطعمة بالفضة؟ | ، فتهز رأسك بنعم. ثم يسوق عليها شوطاً من الكركرة، ويغافلك بالكلام، ويدسها في جيبه (وراحت عليك حبيبي راحت عليك).
في سوق هرج (سوق شعبية في ساحة التحرير ببغداد) كنت أتردد على باعة المسابح. أسأل وأستفسر عن كل شاردة في دنيا المسابح، حتى كدت أصير خبيرا بأنواعها قادراً على أن أعرف الياقوت من السندلوس من الفيروز والزبرجد والحجر الكريم، بل وأن أفصل الألون الطبيعية عن الصناعية مهما كانت دقة صنعها، وأميز المسابح التي تفوح عطرا، كلما فركت حجارتها في راحتيك، وأقدر قيمتها، وثمنها.
ذات جولة قال لي بائع مسن متغضن الوجه وقور: يا ابني (المسبحة خيط | ). أي عليك أن تنتقي خيطاً لمسبحتك يكون قوياً، فلا فائدة من مسبحة تنقطع مع أول دورة (جوبي). ولهذا دعمت مسبحتي بخيط متين، جعلني أدبك بها الجوبي، لفترة تزيد عن العشرين سنة.
نحن في العادة نلتفت إلى حجارة المسبحة فقط، وقيمة حباتها، وألوانها. ولا نلتفت إلى الخيط الذي ينظم هذه الحبات ويحفظها، فهو متوارٍ، مخفي عن الأنظار، لكنه موجود، لا نحس به إلا حين ينقطع. وعندها فإن السبحة لن تعود سبحة، والعقد لن يعود عقداً، بل مجرد حبات متناثرة تطأها الأقدام ويعفرها التراب.
وما أسهل أن تنفرط المسبحة، إن كان خيطها هزيلاً، وإن كثرت عليه قوى الشد والشد العكسي و(المخاطفة) والمناكفات والقرارات المتسرعة وأخذ البلاد إلى ما لا تحمد عقباه. فما أسهل أن تنفرط مسبحتنا في لحظة طيش أو لحظة (أخذ بعزة الإثم)، ما أسهل أن تنفرط المسبحة، حتى ولو كانت ملونة ومتعوب عليها، ومطعمة بالذهب والفضة، تفوح عطراً وعبيراً.
يدي على دفة قلبي الآن، ولا أخاف على مسبحتنا، من يد الغرباء تتخطفها، وتغافلنا تدسها في جيبها، ولكني أخاف علينا منا. أخاف من لحظة إنفراط عقدنا و(تطرطشنا) وضياعنا في غياهب الدروب. فهل نحافظ على وحدتنا الوطنية، الخيط الذي يبقينا دولة، تنتظم فيها الحبات بكل ألوانها وأشكالها ولا تنفرط؟ | . حفظ الله بلدنا. ولنتذكر أن المسبحة خيط.
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |