المرأة القمر
ليلة أمس كان مُبرنساً (يرتدي برنساً من النور وعباءة من ضياء)، ويعتمر هالة ضوء دائرية تتسع في صفحة الليل. كان قمراً لعوباً (يتزارق) مختفياً ومتوارياً بين غيوم تشبه فيلاً طائراً، أو تنيناً سريعاً، أو قلباً مكسوراً. لكنه كان منسياً بغباء فوق مدينة تعجّ بالأنوار الصاخبة. ليلة أول أمس كان عيد القمر، فاحتفلت به شعوب كثيرة، كان رافقها كمصباح وأعانها على الحصاد والعمل الليلي.
القمر أنثى. فمعظم لغات العالم تؤنث القمر، وتذكر الشمس، إلا العربية، لكننا عندما نبالغ بوصف جمال امرأة نقول: قمر. ليضاف لقولنا المفتوح على شهوة الطعام وأنواعه وأطايبه: خدها قرص جبنة، أو تفاحة ملتهبة، أو أنه مثل لهطة القشطة، وأن شفتيها حبتا كرز متأججتان
.
الإنسان الأول أحبَّ الليل، وخافه، وتأمله، لذلك كان القمر أول جرم سماوي توجه إليه بالتقديس، والرهبة، ورغم أنه عظّم الشمس، إلا أنها لم تثر في نفسه الأشجان التي يبعثها القمر، فالشمس ثابتة الحركة، تشرق من مكان واحد، وتغيب في ذات الموضع، بخلاف القمر المختلف المظهر، والمتغير السيرة والسلوك، فلا رتابة في أطواره، إذ يبدأ صغيراً، ويأخذ بالنمو حتى يستدير بدراً، ثم يضمحل شيئاً فشيئاً، ليدخل في المحاق. أليست هذه الصفات تنطلي على الأنثى؟ | .
الاعتقاد بأنثوية القمر رافقه اعتقاد (بقمرية) المرأة، التي تعكس حياتها الفيسيولوجية والسيكولوجية خصائص قمرية وإيقاع قمري واضح، فالمرأة ترتبط بدورة شهرية تعادل تماماً دورة حياة القمر، والحيض في اللغة الإنجليزية يرجع بجذوره إلى التغير القمري، واللغة الفرنسية تشير إليه (بوقت القمر)، وقبائل بدائية سمته المرض القمري | . والعرب قالت عن دراية: القمر مواقيت النساء | .
وقريباً من أنثوية القمر وقمرية المرأة، تروق لي إحدى النظريات الفلكية، التي تدّعى بأن القمر كان قطعة من الأرض، ثم انفصل عنها، وظل يدور حولها ومعها، ويحاول أن يسحب شيئاً من ماء الأرض إليه؛ علّ الحياة تدب فيه؛ ولهذا كان المد والجزر | .
أردت أن أعرج إلى القمر وشجونه وظلاله وهالته وأساطيره وأنثويته، لأننا بتنا في هذا الزمن الكسول الأكول لا نقرأ صفحة الليل بحب وعشق وتأمل، ولا نضع عيوننا بعين السماء في السنة مرة أو مرتين. فهل يفكر الواحد أن يرمي من قبضته (الريموت كنترول)، ليسهر بعض وقت مع بهاء الليل وأشيائه، ومع قمره الأرضي، الذي مكّن الحياة لكوكبنا البعيد؟ | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |