علي العبدي
إذا كنت معلم مدرسة، فلربما تنسى وجوه تلاميذك، الذين يكبرون بتسارع وتتغير سحناتهم وتنهكهم الحياة، وقد يبدون أكبر منك سناًً. ولكنك مهما تفاقم فيك العمر، وأخذتك السنوات لمهاجع النسيان والمشاغل، فلن تغيب عن ذهنك صورة لمعلم أثّر فيك. فكم من أناس يمخرون شوارع حياتنا، وبعد سنة أو أكثر يتبخرون درج النسيان والريح، وأبداً تبقى صورة لمعلم عالقة بلسان الذاكرة، وصفحات البال.
سأستبق يوم المعلم وأعنون مقالي باسم واحد من الذين ما زالوا على قيد الطبشور، والعطاء، ودؤوب العمل. فكنت عاهدت نفسي أن أستذكر مع قرائي وأصدقائي وزملائي في كل عيد معلماً مرَّ بحياتنا. فليس أجمل من أن تشيع فينا روح التقدير لجنود رابطوا على خط التعب، وبذروا فينا النور، وصنعوا الإنسان.
لا بد أن يكون في ذاكرة كل واحد منا معلم، يتذكره ويجله ويحترمه، معلم كان منحنا فيض المحبة والاهتمام. ولهذا فكلما ردنا الحنين إلى المدرسة، وأيامها، وتفاصيلها؛ نستذكرهم بكل إكبار ومحبة، ويوم المعلم وعيده فرصة لبعض البوح.
أتذكر أستاذا مسؤولاً عن إذاعة مدرستنا في كفرنجة الثانوية، وكنت أهيم مع كلمات أعيشها حرفاً حرفاً، قبل أن أطلقها من شرفة الإدارة، خلف مكبر الصوت. كان هذا قبل ربع قرن، والانتفاضة الفلسطينة الباسلة بأطفال حجارتها يصنعون تاريخاً للبطولة والمجد، وكنا نعيش معهم: دماً بدم، ووجعاً بوجع.
حشرجة صوتي كادت تخنقني، حين ألقيت كلمة ما زلت أذكر عنوانها (حجارة ودموع)، كان طعم الملح يملأ فمي لفيض دمعي الرخي، وصوتي نارا يلتهب ويتأجج. وقبل أن أنتهي كان الصمت يعم الساحة والطلاب. ورغم التصفيق، إلا أنني لم أسلم من تعليقات هنا وهناك، لينأي بي أستاذ علي هامساً: لا عليك، حلّق كيف تشاء، وأنى تشاء، فلا يؤثر إلا المتأثر، ومن لا يخرج كلامه من قلبه، فلن يصل الناس وقلوبهم. حينها شعرت بأني شجرة تضرب جذراً في سابع أرض، وأن جناحي يتريشان بكثيف الريش والعنفوان. فشكراً أبا علاء.
حينما سنتذكر معلماً متفانياً مشهوداً له بالرزانة والصدق وطيب المعشر. ونستذكر مواقفه في الدرس وخارجه، وأنه لم يفصل قوله عن فعله، وظل معلماً حقيقياً أينما حل. حينما نستذكره، فكأنما نستحضر جيشاً من معلمينا الكرام، الذين تزدحم بهم ذاكرتنا. فلا أجلُّ ولا أنفع من أن تشير بالخير وعطر الذكرى لكل الذين أخذوا بيدك ذات مدرسة. فبهذا نسترد هيبة المعلم ودوره.
فسلام على من بددوا ببياض الطباشير ظلمات نفوسنا وعقولنا. وصباحك سعيد أستاذ علي.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية