دونكم الطور
بعيداً عن المثل الشعبي الذي يحث على تدليل أبنائنا الصبيان؛ لأنهم سيغنوننا عندما نتاخم أرذل العمر، وينهانا عن تدليل البنات؛ فتدليل البنت في العرف القديم يؤدي حتماً إلى فضيحة عابرة للقارات. بعيداً عن إشكالية هذا المثل، الذي لا يتفق مع نظريات علم النفس التربوي، وقد لا يروق لكثيرين أنا منهم. سيبقى هناك أطفال يعرفون كيف تؤكل الشوكولاته من كتفها
، ويعرفون كيف يمسكون آبائهم من يدهم الموجوعة، أحياناً | .
للأطفال وجه آخر تجانبه البراءة، فبعضهم يتدجج بطريقة مثيرة لابتزاز الأهل، وفرض إرادته عليهم. فقد يتخذ طفل لم يفقس من البيضة بعد، لكنه يشعر بدلاله وغلاته، يتخذ بكائه المنفر القبيح الأقرب إلى الجعير، طريقاً معبدة لنيل ما يريد، وليملي أوامره، فإذا ما فغر فمه الوسيع، وأطلق صفارة إنذاره؛ فإنك ستستسلم وتلبي طلبه درءا لشره المستطير.
وقد يعمد أحدهم إلى استغلال وجود الضيوف، فيطلب ما يريد مستنداً أن الأب في خانة (اليك)، ولن يجرؤ على رد طلبه خجلاً، أو يحمل آخر ما يريد من المتجر مقتنعاً أن الأم ستستحي، وتضطر إلى دفع ثمن ما أخذه متدرعة بابتسامة صفراء قريبة من تكشيرة ناب | .
وكانت تشيع قصة طفل كان يبتز أمه بطريقة عجيبة، فإذا ما أراد شيئاً ورفضت أن تلبيه، فإنه يركض نحو طور عال (جبل منحدر يصلح للإنتحار) قريب من بيتهم، مهدداً برمي نفسه عنه، وعندما يقترب من الهاوية، فإن عاطفة الأمومة تجعلها تناديه مستجيبة لابتزازه اليومي العنيف.
في إحدى المرات كان خال هذا الطفل في زيارتهم، وبعد أن رفضت الأم تلبية طلب طفلها، ركض كعادته نحو الطور مهددا أمه بأنها ستفقده إن لم تمنحه العشرة قروش، وعندما همت الأم أن تناديه لتعطيه ما يريد كالعادة، تدخل الخال وأخرج من جيبه قطعة نقدية قائلاً: هذه العشرة قروش، ولن تنالها، ونحن لا نريدك؛ فارمِ نفسك إذا أردت، وأرحنا من عطر جواربك | .
عاد الطفل بعد فشل خطته العرمرمية في ابتزاز أمه، التي جرؤت للمرة الأولى ونفحته عشر صفعات حامية على مؤخرته، تكفيراً عن كل الابتزازات التي صفعها لها في سالف عهده.
الدول التي اعتادت أن تدلل بعض أبنائها أو أحزابها، وكانت تلبي طلباتهم من تحت الطاولة، أو من فوقها، لا يجوز لها في نهاية المطاف أن تقول لأحدهم: دونكم الطور، فاريحونا واستريحوا. لا يجوز لها ذلك أبداً، ليس لأن الثمن سندفعه جميعاً. بل لأن القصص الشعبية ومراميها وظلالها، لا تجدي نفعاً في أتون السياسة | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |