خيط «مَذيع»

 

كنا نحمد لله الذي وهبنا ذاكرة غربالية كثيرة الرتوق، تعجّ بالشقوق، كي لا نصاب بجنون حتمي، يتجدد فينا كلما دق كوز تغيير الحكومات وتبديلها. هذه الذاكرة المهترئة كانت تعمل على ابعاد صور الحكومات السابقة وطيفها واخطائها عن مخيلتنا، حال وصول الحكومة الجديدة، فنبدو وكأننا نقوم من جديد، كطائر الفينيق الأسطوري، الذي ينهض من رماد احتراقه.

الآن، ومع الفيسبوك والأصدقاء الأذكياء، المدججين بتعليقات واخزة سريعة، ومداخلات جرئية مدببة، فيبدو أننا نتجه سريعاً إلى شر مستطير، يتمثل في تماثل ذاكرتنا للشفاء والتعافي. فما أتعسنا إذ تعافت ذاكرتنا و(طابت)، وعادت تعمل بحق وحقيق.

الحكومة الماضية ظلت تصف نفسها بالرشيقة، طيلة أسبوع ما قبل التشكيل(ألا تذكرون؟)، ولكن جاءت مضمخة بأخطاء كثيرة، ومضخمة بعدد الوزراء. أما حكومة عبدالله النسور، فلم تقل لنا شيئاً، بل ولدت كقرص الفطر في يوم ماطر راعد، فنالت منا تسمية انطباعية، بأنها (حكومة دليفري).

فعل خيراً الرئيس بالابقاء على معظم وزراء سلفه، وفعل أكثر من خير بتوزير بعضهم على أكثر من وزارة، فالأمر لا يفرق كما يبدو، فهي (سارحة والرب راعيها)، وأن الوزراء يجيئون ويذهبون، قبل أن يحفظوا مداخل ومخارج وزاراتهم واسماء كبار موظفيها، وقبل أن يسخنوا على كرسيهم الدوّار.

تكهنت بالسبب الذي جعل الدكتور فايز الطروانة يستحدث وزارة للمرأة، فعندما فرغ من إعداد قائمة فريقه، تذكر أنه نسي نصف المجتمع (المرأة)، ولهذا استحدث وزارة باسمها تعويضا عن هذا. ولكنها وزارة لم تفعل شيئاً، غادرتنا دون أن يعلق بذاكرتنا منها شيء. واليوم سأترك لذكاء القارئ أن يتكهن سبب خلو حكومة النسور من النساء. ومن وزارة كانت تعنى بهن.

ينبغي لنا حكومة خصرها ناحل، رشيقة، ليس بقلة عدد وزرائها، وطهاتها، ومملحي طبختها، ولا بعدد الوزارات المنضوية تحت بنديرة كل وزير من وزرائها. بل نريدها رشيقة بسرعة تحركاتها وأفعالها. ينبغي لنا حكومة ممشوقة القوام، كمطرق رمان ريان (عصا الرمان المستقيمة، التي كانت تستخدم لندف الصوف، وتليينه).. فدعونا نجرب، بتفاؤل حذر.

يااااااه. يبدو أن ذاكرتنا بدأت بالتعافي والتشافي، ويبدو أنها رتقت نفسها وثقوبها بخيط مذيع (خيط قوي كان يصنع من الصوف والشَعر). وهنا وجعنا الجديد العنيد (قوة الذاكرة). فيا الله، إنا لا نسألك حكومة بأربع سنوات، ولا برلماناً (بكالوريوس) بدل (دبلوم) البرلمانات، بل نسألك ذاكرة خرارة كسولة لا ترتق ثقوبها بخيط مذيع، بل (تدهلزه) بخيط عنكبوت رفيع.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية