نظرية الأصمعي
جاء في الخرافة، أن ذكر النعام لم يكن مستاء من كونه يملك أذنين صغيرتين فحسب، بل كان استياؤه الأشد لأنه لا يملك قروناً يشتد بها، كباقي الكائنات التي تزامله في البرية والهضاب. فراح هائماً يبحث عن قرنين، يركبهما على رأسه الصغير، لكنه لم يعد بخفي حنين، إنما رجع وقد خسر بعضاً من أذنينه، ولهذا يسمى ذكر النعامة بالظليم، زيادة على أنه بقي أصمعياً (أي صغير الأذن)
.
وتجاوزاً عن الخطل والصمع، أي عن كبر الأذن وصغرها. فالأصمعي كان أديباً أريباً لبيباً ذائع الصيت والذكر، له عقل راجح، ونفس طويل، وقريحة سديدة | ، ومما يروى عنه، أنه كان ناقداً لاذعاً، لا يعجبه العجب، ولا صيام رجب، ولا تأخذه في الحقيقة والحق لومة لائم، أو بطشة باطش | .
وذات مرة جاءه أحد مدعي الشعر، وهم كثر في كلِّ زمان ومكان، جاءه طالباً منه أن يستمع إلى قصيدته العرمرمية، فقال له الأصمعي: هاتِ ما عندك، وأصحابه من حوله يشنفون آذانهم | .
انطلق الرجل مبحراً بقصيدته العجفاء الحلمنتيشية، التي كركبت الدنيا، وقلبت موازين الشعر من ساسها لرأسها، فلا جمال ولا مقال. وبينما هو منهمك في الإلقاء مزبداً وملوحاً بيديه، يتفطر عرقاً ويتفصد عناء ويرشح ثغاء، وكان الأصمعي يهز رأسه قائلاً: أحسنت، أحسنت، استمر، تابع، استمر يا رجل تابع بسرعة، وأصحابه منه حوله يتعجبون | ، وبعد أن فرغ الشاعر العظيم، من قصيدته البكماء العصماء الشمطاء، انقلب إلى أهله مسروراً، |
أما أصحاب الأصمعي المحيطون به، فتعجبوا من هذا التصرف غير المعهود من أديبهم، فكيف أعجبته هذه القصيدة البالية، التي لا تشبه إلا خرقة شربت كثيراً من ماء آسن حتى ثملت؟ | .
تبسم الأصمعي قائلاً بمرارة: يا أصدقائي وأصحابي، لا تعجبوا من أمري، فوالله لو بقي هذا الكلام القميء الآسن في جوف ذلك الرجل لقتله: إنه سمٌّ زعاف، وأردت أن أخلصه من سمه وسمومه، ليس استحساناً به، بل رأفةً بهذه الحياة | .
وربما هذا الذي يحدو الناس في هذه الأيام إلى التصفيق والإعجاب بالرداءات السائدة، التي تتواكب علينا من جهاتنا الخمسة، ليس استحساناً وإجازة لها، وإنما من باب الرأفة بالحياة، فلو بقيت هذه السموم، في صدور أصحابها ونفوسهم؛ لقتلتهم | .
فإلى متى نبقى نتعامل مع سمومنا السياسية والاجتماعية والأدبية ومع هذه الرداءات الطاغية في أجوائنا، إلى متى نبقى نستحسنها مستندين إلى نظرية الأصمعي وفلسفته. والله تعبنا واختنقنا.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.co
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |