يا صانع سوريا 

 

ثمة طائر صغير لطيف يسمى (عصفور الشوك)، يقضي حياته القصيرة مُغرداً متنقلاً بين أغصان النغم وشجونه، وحينما يشعر بدنو موته، يعمد إلى زعرورة (شجرة ذات أشواك)، يغرس شوكة في شغاف قلبه شيئاً فشيئاً، وهو لا يكف عن تغريده، ويستمر هذا البوح النازف الأليم، حتى تتبدد روحه لحناً جميلاً يختم به حياته، لحناً تحفظه الدنيا عن ظهر حب، لأبد الآبدين.

على العكس من عصفورنا الشفيف، فالطغاة حينما يصلون إلى جدار نفقهم، وآخر مطافهم، ويحدسون بنهايتهم الحتمية المخزية، نراهم يهذون بأسوأ أكاذيبهم ورذائلهم وطغيانهم، لأنهم يعرفون أن الدنيا لن تذكرهم ولن تحفظ بشاعاتهم، وهو يتدحرجون إلى مزبلة التاريخ.

الطاغية بشار لم يكتف باسوأ أفعاله وأرذلها، كنهاية تلوح في أفق حرية السوريين، حينما دلق على رؤوس الناس براميل (التي أن تي)، ولكنه نعق بأسوأ تصريحاته، وأبشع كذباته، وأردأها. إنه يحدس بنهايته في نعيقه الأخير مع قناة روسيا اليوم.

المضحك أنه يتحدث عن صندوق الإقتراع، الذي يراه الفيصل الوحيد في تغيير الرئيس، وكأن أباه لم يجئ على دبابة، ولم يحتل إرادة الناس لثلاثة عقود، وينسى أنه جاء (بتجحيش) بغيض للدستور، وبلي عجيب لعنق القانون، بل ما يبكينا ضحكاً تبجحه بأنه صانع سوريا.

يحق للطغاه في ربع ساعتهم الأخير أن يطلقوا أبشع هذياناتهم، يحق لهم أن يقلبوا التاريخ، ويحشروه في جيب سروالهم، لأنهم لم يعودوا يرون إلا أنفسهم، ولم يعد مسموعاً في آذانهم إلا خشخشتهم الناعقة.

نعم، أنت صانع سوريا، أيها الضرغام الهمام، فهي لا تمتد في جذر التاريخ إلى آلاف السنون وأعتى الحضارات. لكنك صانع الغم لها، ومدميها وقاتل أهلها ومشردهم. ورغم هذا ستبقى سوريا أعظم من كل الطغاة الذين مروا على الدنيا.

سوريا أنجبت مدينة (أوغاريت)، التي علمت الدنيا حروف الهجاء، وصوغ الكلمات، واللغة الأولى الأم، سوريا أدونيس العاشق، الذي يؤوب كل سنة ربيعاً ودحنوناً مثل دماء الشهداء على حوران.

أكاد أرى نهاية الطاغية الأسد ماثلة أمامي. ولربما نهايته بانتحار عجيب بسرداب. أكاد أرى نهاية تليق بطاغية انفصل عن تراب الحقيقة، وهام في غياهب جنونه، وغبائه، وشطحاته. نهاية لن يُمنح فيها لقب (الرئيس المخلوع)، ولن يحظ ببلد يأويه. أكاد أراه مسحولاً من دمشق إلى (أوغاريت)، فالشعب الذي خطّ أول أبجدية في الدنيا، جدير به أن يعلم العالم أبجدية البسالة والشجاعة، والحرية غالية الثمن. عاشت سوريا صانعة المجد.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية