كُلي يوجعني 

 

باستخدام هندسة الجينات الوراثية، أنتجت أستراليا بصلاً كبير الحجم، جميل المنظر، طيب المخبر والجوهر. أطلقوا عليه اسم (بصل البنات الكبيرات)، في إشارة لأغنيتهم الشعبية، التي ترى أن البنات الكبيرات في الحب، يذبحن أحباءهن بدم بارد، بلا أدنى دموع. وهذا ما يميز البصل الجديد، فهو لا يثير رغرغات الدمع، وفوق ذلك ليس له رائحة. فيمكنك أن تقضم منه ما شئت، ثم تكيل القبل لمن تحب، بلا حرج. ولهذا نال اسماً حركياً آخر هو (بصل البوسة الحلوة).

من التكتيكات المطبخية التي تفيد في تجنب انهمار الدموع عند التعاطي مع البصل العادي، أن تقطعه تحت شلال ماء الحنفية، أو أن تتحصن بنظارات سباحة عند الغوص في هذه المهمة المبكية. أما أسلم الطرق التي استخدمتها شخصياً في سكن أيام الدراسة، فقد كنت أعتقل رأس البصل المغدور في فريزر الثلاجة، لفترة من الوقت، دون محاكمة عادلة، قبل أن أمعن بذبحه، بلا دموع.

قبل وجعين أو أكثر، كنت أتساءل ببلاهة: لماذا يعمد إلى تهجيج المحتجين والمتظاهرين وتفريقهم بالقنابل المسيلة للدموع؟. ألأن للدموع أثراً ساحراً يجعل ذارفها يهرب ناسياً ما خرج إليه محتجاً ومندداً؟. أم أنها تضفي نوعاً من الراحة على المحتجين، فتجعلهم يشعرون بالسكينة، قبل أن يعودوا إلى بيوتهم، وكأنهم ذبحوا بصل الدنيا، وأفرغوا كبتهم ووجعهم واستراحوا؟.

لا نريد نظارات سباحة، ولا ثلاجات تبرد رؤوس بصلنا. بل نريد بصلاً لم تدجنه هندسة الجينات، بصلاً بلدياً مدججاً برائحة صاعقة دامعة. نأكله أكل الخيار، لنطبع قبلة على جبين عالم بات منزوع الرحمة اعتاد على رائحة الدم، علّ البصل يبكيه، على الأقل. ونرسل قبلة أخرى إلى من يتعامى عن أوجاعنا وهمومنا، عله يفيق. وثالثة نسجلها على قلوب باتت لا تعرف معنى الدموع، وفحواها وقيمتها.

وبعيداً عن ظلال الدراسة العلمية التي نشرتها صحيفة (ديلي اكسبرس)، التي أكدت أن البصل أكثر المأكولات جلبا للسعادة والسرور، بعيدا عن هذا، فقد كنت سأشد على بطني حجراً أو حجرين، وأقصر أكلي وأكل عيالي على بصل حاف، وأتحمل بسعادة سياط ولهيب الأسعار وسعارها، لو كنت أثق بأقوالهم وقراراتهم. فمتى يعلمون أن قضيتنا ليست جرة غاز، أو تنكة بنزين؟. ومتى يعلمون أن كلي بات يوجعني، مثل (كُل) الآخرين.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية