صبر الدهاميج 

 

قد تعرفُ كيف تشعل حرباً، من لا شيء، أو تؤجج نيرانها، وتنفخ فيها، وتذكيها وتحفز لها ما تأكله، ولكنك من سابع المحالات، لن تقدر على إيقافها، إن أردت، أو حتى أن تتنبأ متى ستضع أوزارها، ويخور إوارها. فدخول حرب، مهما صغرت، ليس كالخروج منها، فحتى دخول الحمام، يقتضي بعضاً من التبدلات، التي تجعل الخروج منه مختلفاً.

ففي الحمام التركي، الذي اشتعلت فيه النيران على حين غرة، كما يروى، هرب كثير من رواده عراة، إلا من بعض رغوة الصابون، تحت همهمة ألسنة اللهب والصخب، إلا أن القليل منهم قضوا نحبهم شواءً، فحياؤهم منعهم من الهرب عراة، فقال الناس قولتهم الشهيرة، التي درجت مثلا فيما بعد: اللي استحوا ماتوا.

أما الدخول في حبة قرع بحجم بطيخة والخروج منها، فيقتضي التفكير والتدبير، فالفأر الجائع أحدث ثقباً صغيراً في جدار هذه القرعة، بأسنانه الحادة، ودخل لبها، ورتع بخيراتها، وتسلى ببذورها، وبما أن الحياة في الداخل مريحة وسهلة، ما دام الطعام (حبطرشاً)، فإن الخروج لم يخطر على بال الفأر، الذي تضخم وتنبل، وأصبح بحجم جرذ أبله.

وتمر الأيام، والطعام في داخل القرعة يجف، فيهم الفار متثاقلاً بالخروج، لكنه يجد نفسه متورماً منتفخاً، بحيث أن الثقب الذي دخل منه، لا يستطيع أن يخرج منه. ففكر وقدر، أن السبيل الوحيد للخلاص من سجن ومهزلة القرعة، التي اشتدت وأصبحت يابسة كالصخر، الحل الوحيد أن يعود بجسمه إلى وضعه الطبيعي، فضرب على نفسه صوما إجباريا وريجيما قاسيا، حتى عاد أكثر هزلاً، عندما دخل القرعة أول أمره.

قديماً كانت النصيحة بدهمج (الجمل ذو السنامين). وهي الآن ببلاش إلا ربع، تقال صراحة، وجها لوجه، أو تلميحاً، وقد تسرد بالوصف والتمثيل، أو تساق على شكل حكاية صغيرة، كما في كتاب كليلة ودمنة.

وسيبقى أن هناك من لا يريد أن يتعلم من الآخرين ووجعهم، لا يريد أن يلتفت لتجاربهم، أو يقف عند حشرة قرعاتهم، ومآزقهم. بل يريد أن يدفع من كيسه، وحسابه الشخصي، فيجرب المجرب، وقد أخذته العزة بالوهم، ويمضي (ضرباً طناشاً)، حتى يفوت الفوت. وحتى يصغر ثقب القرعة، فيغدو أضيق من تعريفة (نصف قرش)، فلا نخرج إلا أهزل من فأر جائع. وبعدها لن ينفعنا صبر كل دهاميج البيداء، ودهنها.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية