يرجرجني مطر الحنين 

 

ذات مطر انتظرتك في مظلتي سنتين، أو قل بهمستين وشهقة، لستُ متأكداً تماماً، فساعة يدي كانت عالقة في موجة البرد. انتظرت مرورك برأس شارعنا، لكنك تأخرت، وكنتُ على يقين أنك ستخرجين يا مجنونتي لدوخة المطر، وحفلته الصاخبة هذا النهار.

حين وصلتي مخفورة بسحابة على شكل قلب منقوص سهماً، نفثتي غيمة بخار مشاكسة ساخنة بوجهي. فتضببت نظاراتي، ولم أعد أرى ألا غلالة عطرك. فأخذتي بيدي، وطويت مظلتي، واندغمنا بشالك الأحمر.

وذات غدرٍ قلت لي: لا تخرج وحدك لسنابل المطر. ما من حصاد إلا البرد ولفحاته ورشحه، ونقص في ثمرات الحب، وحبحبة القشعريرة. حينها عرفت أنك تشتعلين غيرة خلف شباك صار دفتر رسم لأصابعك وفمك. وحين قلت لك بالهاتف: أنه مطر لذيذ، لا يتكرر، يدخل بين الأزرار، أو يتسلل من كم القميص، ويرقصك مثل شجرة تهزها أصابع الريح. أغلقتي الخط، وعرفت أنك ستأتين، فانتظرت.

وتذكرت أنني قلت لك من قبل: مجنونان لا يجتمعان على صحن عشق وحيد، فأما أنت، أو المطر؟. فخذي جنوني من جذوره واجتثيه، ودعيني لمطري هذا الصباح. دعيني أستجمع غيابك الحاضر، دعيني أعيد ترتيب الأشياء بيننا. لا أريد أن ألعق كل قطرة مطر تعلق برمشك. تعرفينني كم أغار.

حين كنا نمر في الشارع، كانت تتبخر العصافير المنشورة على حبل الهدوء والتجفيف، كانت تتبخر من فرط حرارتنا وجنوننا. وكنت أسمع هسيس أشجار السرو ترف بأغصانه، لتقطر لنا ما خبأتهُ من بقايا مطر. كأنها تريد أن تبردنا.

واليوم تلومين جنوني، أيتها العاقلة. فهل كبرت بما يكفي، كي تكفي عني، وعن المطر؟. فكأنك نسيت حين أفلتي شلال شعرك لأصابع المطر يمشطك. فقلت لك: أصابعنا العشرون، أنا والمطر، لن تكفي لتسرّح هذا الليل الطويل. لكنك تطايرت كفراشة نار، حتى لففتك برمشي، كي لا تمرضي. وبعدها ضربتك نوبة رشح امتدت لأسبوعين، وكنت أموت حين تلثغين اسمي بصوتك المرشوح.

كأنه مكتوب علي في كل مطر، أن أعود طفلاً يفتح فمه لأثداء السماء. أو بيلسانة تغني عبيرها لدغدغة المطر. أو نوّارة ليمون دخلتها قطرة ماء، فاشتاط جنون عطرها، فهاجت أسراب النحل هناك. أهكذا نحن حين ينتابنا الحنين ويرجرجنا المطر.

في هذا المطر، دعيني أغدو دحنونة متعجلة في كانون، أو خلية نحل عطشى، أو غيمة ساخنة تنفثينها في وجهي، كي أستعيد عطرك البعيد.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية