نظرياً، فإن الحملة التي تقوم بها وزارة التنمية السياسية لتعريف الاردنيين بحقوقهم السياسية والدستورية والقانونية هي جهد ايجابي، كما أنها في حدود صلاحياتها مبادرة جيدة، لكن هذه الحملة تمثل ايضاً مسار الحكومة وبرنامجها، ويفترض انها جزء من الاداء السياسي والقانوني الحكومي لتعزيز الشفافية.
والحقوق التي تتحدث عنها الحملة ليست اختراعاً، بل هي موجودة في الدستور والقوانين، كما انها متناثرة في الكميات الكبيرة من البيانات والخطابات والتصريحات. لهذا، فمشكلة الاردنيين ليست في ان يسمعوا ويشاهدوا مسؤولاً يتحدث عن الشفافية والمساءلة والقانون، بل في ان يشاهدوا هذا المسؤول يمارس ما يقول. فالامر لم يكن سلبياً لان المسؤولين لم يتحدثوا عن حقوق الناس وسيادة القانون، بل لان الحكومات وأكثرية طبقات المسؤولين تجاوزت القوانين والاسس.
وحتى لا نذهب بعيداً، فإن الحملة الحقيقية القادرة على بناء مصداقية الحكومات تقوم على قناعة الاردني بأن هذا الوزير او المدير او الامين العام الذي يتحدث جاء الى موقعه وفق اسس مفهومة، تعبر عن مسار سياسي واداري سليم. فكيف سيكون المسؤول عادلاً ومحافظاً على الأسس وحقوق الناس اذا كان قدومه الى موقعه وفق قانون الوراثة السياسية، او لأنه من دائرة علاقات فلان، او لأنه محسوب على آخر؟! فحتى لو وقف هذا المسؤول ساعات يقرأ الدستور، فإن الامر لا قيمة له، بل انه سيترك صدى سلبياً وردة فعل في الاتجاه الآخر.
ومشكلة الاردنيين ليست في ديوان الخدمة الذي يسير وفق اسس مفهومة وواضحة، كما ان معظم وظائفه تعاني من الاستنكاف في التربية والصحة، باستثناء التخصصات الراكدة؛ لكن مشكلتنا الاساسية في ما هو خارج الديوان من المواقع الكبرى، ابتداء من موقع الوزير والامين العام والمدير العام والمستشارين إلى اصحاب العقود والهابطين الى المواقع من أعلى، إذ يتم تجاوز موظفي الدائرة والوزارة، ليؤتى بشخص لا علاقة له بهذا المجال مديراً او اميناً او وزيراً!
ماذا لو نجحت الحكومة في اقناع فئات الشعب الاردني بقراءة الدستور وحفظه غيباً وفهم مواده، ثم نظر المواطن الى وزير قد اصبح في موقعه وفق اسس غير سليمة! فأي دلالة للنصوص والشعارات؟! وما هو مفهوم تكافؤ الفرص والناس تشاهد حكومات تذهب وتأتي بسرعة قياسية، بما يحمله هذا الامر من تكلفة سياسية ومالية وادارية؟! فهل يكون تكافؤ الفرص في تعيين موظف في وزارة ما، بينما وزيرها او امينها العام يعين من دون هذا التكافؤ؟!
الحملة الحقيقية التي تنتج وتثمر في تعريف الناس بحقوقهم تكون بالتزام الكبار بالأسس السليمة والقوانين، وان لا يأتي شخص الى موقعه الا اذا كان كفأ له، وان نتخلص من قانون الوراثة السياسية او قانون شبكة العلاقات والمصالح. ونحتاج ايضاً الى التخلص من قانون التجريب لاصحاب المواقع الكبرى، وان تخلو ساحتنا من قانون "التحزير" عند توقع اي تغيير، وان يختفي القول ان هذا الشخص جاء به فلان، او هو نسيب أو عديل له.
نقدر حسن النوايا لدى وزارة التنمية السياسية، لكن حملة "اعرف حقك" تأخذ طابعاً اكاديمياً اكثر من كونه عملاً حكومياً قادرا على التأثير في قناعات الناس. فالاردنيون اذكياء، وكل معلومات عمان وكواليسها تجدها في القرى وتعاليل الشاي، ولم يعد سيل الانشاء قادرا على ان يصنع قناعات تخالف الواقع. ونقول لوزارة التنمية السياسية: اعرفي حقوقك، فالاردنيون يعلمون حقوقهم الحقيقية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة