منطق الأمور ان يكون لتجمع مليون او اثنين من الحجاج في موسم واحد ومساحة جغرافية محدودة ضحايا سواء على صعيد المرض او الموت الطبيعي، او حوادث السير او حتى الحوادث الناتجة عن الازدحام، لكنّ هناك اسبابا لا يمكن التغلب عليها حتى لو قامت الحكومة السعودية بكل ما عليها من اجراءات ادارية وتوسعة للمشاعر المقدسة. هذه الاسباب تتعلق بسلوكيات فئات من الحجاج وممارساتهم، والفتاوى الشرعية التي تحكم ممارسة المناسك.
ربما تحتاج معظم الدول الاسلامية الى مزيد من الجهد لتثقيف حجاجها وزيادة وعيهم بأنهم ذاهبون الى عبادة ولأداء فريضة مقدسة. فمن اكرمه الله تعالى وأدّى فريضة الحج يستطيع ان يرى بوضوح فئات وأعدادا غفيرة من الحجاج يمارسون الشعائر بتحفز وتحدٍ وكأنهم في معركة، او مثلما يدخل احدنا الى سوق مزدحمة او الى جمعية تعاونية يتزاحم فيها الناس لشراء مواد تموينية، وهناك من يعتقد ان اداء المناسك في ظل الازدحام لا يتحقق الا بالقوة (المدافشة)، والحاج يحتاج الى لياقة بدنية مرتفعة ليقاوم الحجاج الاخرين في التدافع.
وفي الثقافة ايضا يأتي مشهد الفوضى وتجاوز التعليمات وعدم الحرص على النظافة من فئات من الحجاج، ولهذا تجد العديد من المشاعر والأماكن التي يرتادها الحجاج مكتظة بالنفايات ليس فقط للاعداد الكبيرة من الحجاج، بل بسبب سلوكيات لا يجوز ان تمارس في اي زمان او مكان فكيف بأهل العبادة، وفي أماكنها!
فأكوام النفايات ورميها في اي مكان، والنوم في الشوارع واحيانا الاستغراق في النوم من سيدات في اي مكان، كل هذا ليس من ثقافة العبادة. الحج ليس موسم معاناة او تشرد، بل حالة وجدانية وعبادة جزاؤها الجنة، لهذا وبسبب غياب الثقافة والوعي والممارسة السليمة فان الشعور بروح فريضة الحج غاية صعبة لا تتحقق لاي حاج.
والإنصاف يدعونا للقول ان الحكومة السعودية تبذل كل ما في وسعها، واي تقصير في اي موسم نجد جهودا لتلافيه في مواسم لاحقة، فتُنفق الاموال كل عام لتجنب الكوارث. لكن ربما على اهل الافتاء ان يوسعوا على الحجاج، فيما يتعلق بأوقات رمي الجمرات. فالحاج، وحرصا على العبادة، يذهب الى اكثر الفتاوى تشددا، لكن واجب اهل الشريعة ان يعطوا للحجاج "منحة" بما لا يتناقض مع الصحيح من السنة الشريفة.
وربما آن الاوان لتعميم مفهوم ايجابي لدى المسلمين يتمثل بان اداء فريضة الحج طلبها الله تعالى من القادر مرة في العمر، وان تكرار ادائها عاما بعد عام، ليس المجال الوحيد لكسب الاجر والثواب، فنجد من المسلمين من يفتخر انه ادى الحج عشر مرات او اكثر، فهل الاجر لا يتحقق من نافلة الحج بعد اداء الفريضة، اذا دفع احدنا تكاليف الحج المكرر لطالب فقير لا يجد اهله رسوم دراسته الجامعية، او الإنفاق على يتيم جعل الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام وكافله في الجنة؟
لم تكن العبادات يوما خارجة عن سياق منافع المجتمع ومصالحه، او ساعات وايام من المناسك المنفصلة عن سياق حياة الانسان. ولهذا، فالحج فريضة لها ثقافة واخلاقيات وحِكم. وللحاج فيها منافع اخرى، لكن كل هذا في سياق حياة متكاملة من الالتزام بروح الدين. ولو ان السلطات السعودية قامت بكل الذي عليها، ولم يقم الحجاج بما عليهم، لكان مجال الاخطاء متوفرا، هذا اذا استسلمنا لمنطق الامور الذي يجعل من تجمع هذه الملايين ظروفا كحوادث الطبيعة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة