افتراض حسن النوايا تجاه حركة حماس، بمسارها النضالي داخل فلسطين، يفرض على المتابعين تفسير مسارها السياسي ايجابيا، وليس على قاعدة التشكيك. لكن قراءة التطورات في اداء الحركة تجعل قراءة بعض ما يجري لا يحتمل الا تفسيرا واحدا.
فقبل عدة اشهر، قال محمد غزال، احد نشطاء الحركة في الضفة الغربية، ان الحركة مستعدة للتفاوض مع اسرائيل، ويوم الاثنين الماضي، نشرت الصحف تصريحا لاحد مرشحي الحركة في القدس يقول فيه ان "حماس" مستعدة للتفاوض مع اسرائيل، وانها ستحقق ما لم يحققه الاخرون من التفاوض. وهذه التصريحات تفهم وتقرأ في سياق مسار كامل، ابتداء من العمل السياسي غير المباشر من خلال الهدنة التي جاءت لإعطاء الرئيس محمود عباس فرصة لإحياء عملية التفاوض مع حكومة شارون، ثم قرار المشاركة بالانتخابات التشريعية، الذي يعني اندماجا في حياة سياسية افرزها اتفاق اوسلو الذي نهايته حكما ذاتيا وليس دولة مستقلة كاملة السيادة على الاراضي المحتلة منذ العام 1967.
التخوفات والرفض للمسار السياسي لحماس تجده في اوساط عديدة لا تحب ان تتكرر تجربة حركة فتح والمنظمة، عندما تم في العام 1988 اعلان الدولة الفلسطينية والاعتراف بإسرائيل عبر القبول بقرار 242. وكان منظرو المرحلة يتحدثون عن حلول مرحلية، وان هذا الموقف خطوة تحت شعار "خذ وطالب". لكن مرت السنوات، وتبخرت كل الشعارات، واصبح "اوسلو" وافرازاته هو الغاية، مع طموح بان تطبق اسرائيل هذا الاتفاق وكل عمليات "ترقيعه" من تفاهمات وخرائط طريق.
ومشكلة "حماس" انها تذهب الى طريق جربها الاخرون، وتعتقد ان دخولها الى العمل السياسي تحت مظلة "اوسلو" سيكون مجانيا، وانها اكثر ذكاء وقدرة من قيادة المنظمة والفصائل الاخرى. وهذا جزء من الوهم الذي تحبه اي جهة لتبرير ما تذهب اليه.
وتصريحات بعض رموز "حماس" في الداخل حول امكانية التفاوض مع اسرائيل يذكرنا بما كان يحدث من تسريبات يمارسها مستشار عرفات حول التفاوض والاعتراف قبل ان يحدث. وكانت قيادة المنظمة تخرج لتقول ان ما يقوله ابوشريف رأي شخصي، لنكتشف بعد سنوات ان ما كان يقوله نوع من تهيئة الناس، وانه تعبير عن تفكير قيادة المنظمة.
وحتى الجهات المؤمنة بخط التسوية والمفاوضات تنظر الى التحولات في خط "حماس" باعتبارها امرا مفرحا لها، لكنها تطالب الحركة بأن تسمي الاشياء بأسمائها. فالاندماج في العملية السياسية له ثمن، والمفاوضات التي تتحدث عنها "حماس" مع دول اوروبية وشخصيات اميركية غير رسمية ليست لإقناع اوروبا واميركا بالخط الجهادي للحركة، بل لقراءة ما يجري، او على الاقل جس نبض حماس فيما يتعلق بالقادم.
ان مقارنة بين مؤشرات ما يجري في "حماس" والتحولات التي جرت في منظمة التحرير تبين تقاربا واضحا، اما الاستدراكات في التصريحات فهي امر متوقع، لكن القراءة يجب ان تكون للمضمون والخطوات.
أتذكر انني اجريت في العام 1994 حوارا مع د. موسى ابومرزوق، وكان حينها رئيسا للمكتب السياسي لحماس، وتحدث عن فكرة الهدنة مع اسرائيل، فقامت الدنيا، وصدرت التوضيحات القريبة من النفي، مع ان د. ابومرزوق من اكثر شخصيات "حماس" انسجاما مع نفسه. لكننا وصلنا الى العام 2005 لنجد الهدنة امرا واقعا، ونجد من يدافع عنها باعتبارها جزءا من تكتيكات المقاومة، وان الدخول الى المجلس التشريعي، الذي كان محرّما سياسيا لدى الجميع وشرعيا لدى البعض، ضرورة. لكن بعض من لم ينسوا المواقف السابقة، ومنهم احد رموز حماس السابقين في غزة، مازال يوزع فتوى بتحريم المشاركة في الانتخابات لانها تتم تحت مظلة اتفاق اوسلو.
في بلد مثل الاردن هناك في صفوف الاسلاميين من لا يرى جدوى من المشاركة بالانتخابات، وقد جاءت المقاطعة في العام 1997 لمبررات منها وجود معاهدة السلام، فكيف بكيان لم يكتمل وتحت الاحتلال، وفي ظل قمع صهيوني، وعملية سياسية اصيب اصحابها بالاحباط؟!
اخيرا، فان المطلوب من وجهة نظر الاطراف الدولية واسرائيل ليس اجتثاث "حماس"، فهي حالة شعبية واسعة، لكن تحويل مضمونها الى جسم سياسي سيتعاطى مع الواقع، ويقبل به، وتكون المقاومة أداة فرعية، وربما شكلية فقط.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة