من الاشياء والممارسات والمصطلحات التي تكاثرت في حياتنا العامة مصطلح "البيع"، فلا تمر فترة الا ونسمع عن عملية بيع لأرض او مؤسسة او شيء من الممتلكات العامة ذات الطابع الاقتصادي، حتى اصبح امرا غير مستبعد ان يتم التفكير ببيع الكثير من الاشياء الهامة، ولهذا لم يصدق البعض فكرة بيع جزء من المدينة الرياضية، لنكتشف ان عملية اقتطاع جزء من ارضها امر كان مطروحا، لكن لأمور اخرى لم تتم الصفقة.
وفي المجالس اشاعات كانت عن بيع الجامعة الاردنية كمؤسسة وارض وتاريخ الى احد المستثمرين، وقبل هذا وبعده تمت عمليات بيع لمؤسسات ومصانع واراض، وكل هذا تحت مبرر الخصخصة.
الخصخصة مدرسة اقتصادية لا تعني بيع كل ما تملك الدولة، بل هي نهج يعني اعطاء القطاع الخاص دورا كبيرا في الحياة المالية والاقتصادية، سواء عبر بناء المشروعات او المشاركة في الادارة، ووجود بنية تشريعية تسمح لرأس المال المحلي والخارجي بالاستثمار، اي تقليل دور الدولة في بعض القطاعات لكن هذا النهج لا يعني بالضرورة بيع الممتلكات العامة. فالدولة يمكنها ايضا ان تكون شريكا في الحياة الاقتصادية ليس وفق النمط الاشتراكي، لكن بصيغة تحافظ على دورها ونفوذها وحمايتها للطبقات المتوسطة والفقيرة من تغول السوق ورأس المال.
لكن ما نشهده هو إدراك يقوم على البيع، فكل مشروع ناجح او فاشل يتم التفكير ببيعه، وكل هذا لتشجيع الاستثمار, لكن بعض التجارب خلال السنوات الاخيرة كشفت ان بعض البيع لم يكن الا فرصة للمشتري للاستفادة من رفع اسعار الاراضي ثم اعادة بيعها جرداء او وعليها شقق او فلل او مجمعات, وربما يكون التمويل من بنوك محلية، فالامر لا يخرج عن المثل الشعبي "من دهنه قليله"، فالارض والمال اردنيان، اما الارباح فهي للقادرين من خارج الحدود مع نسب للوسطاء والسماسرة.
رغم كل تحفظاتنا على الخصخصة كنهج سياسي او اقتصادي ترك اثارا اجتماعية سلبية، وعمّق مشكلات اقتصادية الا انه يبقى مختلفا عن طريقة تفكير بعض الحكومات بانه الطريق الاسهل للبيع، وكأن الخصخصة بمفهومها هذا تعني ان تتخلى الدولة عن كل ما تملك من مقدرات وامكانات. كما ان هذا البيع في الاشياء الصغيرة كما هي المشاريع الكبرى التي تمت خصخصتها، لم تترك مردوداتها اثرا كبيرا في الاقتصاد الاردني، وتبخرت فكرة صندوق الاجيال، فكانت اموالا سهلة الانفاق كنفقات رأسمالية لخدمة بعض الشعارات واللافتات.
في الدول النامية هنالك نماذج للخصخصة لا تختلف عما يمارسه بعض فقرائنا في حياته، حيث تفهم الخصخصة على انها بيع لقطعة ارض يملكها لفتح دكان، لكن التجربة تذهب بأموال البيع لشراء خزانة جديدة، ولارضاء الزوجة بخاتم او (مبرومة)، وبقليل من الملابس للاولاد، وهكذا يتبخر المبلغ ولا يبقى منه الا جزء بسيط يتم انفاقه لاكمال مصروف الشهر.
الخصخصة على كل سلبياتها ليست مصطلحا اخر لوصف البيع، ومن حق الدولة على حكوماتها ان تبقي لها "ذخرة"، فإذا بعنا كل شيء من مشاريع واراض وشركات، فماذا سيبقى موردا للدولة، او امرا يمكنه توفير السيولة في مراحل قادمة؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة