لا نتمنى ان نحمل كامل النموذج اللبناني؛ ففيه الكثير من التفاصيل والاحداث التي اتعبت الشعب اللبناني وجاءت له بالدم والقتل والاختلاف الى حد الاقتتال، لكن في ثنايا هذا النموذج ملامح ايجابية تجعلنا نتوقف احتراما بخاصة فيما يتعلق بالعمل السياسي، حيث يمكن اعتبار الساحة اللبنانية نموذجا معقولا في تقاليد العمل السياسي بين الهيئات والاحزاب والشخصيات وحتى عامة الناس.
قبل ايام قضيت وبعض الزملاء يوما في بيروت واقتربت من تفاصيل الحياة اليومية لأحد اقطاب المعادلة اللبنانية الجنرال ميشال عون، وهو مثال يتكرر مع اخرين من زعماء السياسة واقطاعيي الحياة العامة، والملفت ان معقل هذا القائد السياسي مفعم بالسياسة، وتشعر في كل لحظة انك جزء من حياة سياسية ومتابعة وطواقم وانصار، والجميع مشغول بالسياسة ويتحدث في تحليل ما يجري وبناء المواقف.
ومن موافقات القدر انه كان ذات اليوم الذي كانت فيه المظاهرات في بيروت وتخللها اعمال شغب وتكسير للبيوت والسيارات وحرق لاحدى الكنائس، فكانت مناسبة لمراقبة جزء من اداء سياسي للتعامل مع الحدث، حيث مفهوم الزعامة السياسية، ودور الكتل البرلمانية كأطر سياسية ذات مضمون وبرنامج وتكتيكات في الخصومة السياسية والتعامل مع اخطاء الحكومة اذا كانت معارضة او العكس.
هذا النموذج للزعامة السياسية، وهنا لا أتحدث عن رمز اجماع لكل الناس، بل لتياره وانصاره، والزعامة ليست في الشخص فقط بل في اسلوب العمل والطواقم السياسية وهي جزء من هيئة سياسية، حيث يفهم الجميع ادوارهم ومواقفهم ومسار الجهة التي يعملون معها. وتلاحظ بسهولة سرعة تمرير المعلومات عما يجري، فقائد التيار او الكتلة تتوالى عليه الاتصالات تحمل اخبارا وتفاصيل، اما الموقف الشامل فتحدده اجتماعات القائد ورؤيته. باختصار نتحدث عن نموذج يمثل احترافا سياسيا، وهنا لا نتحدث عن جوهر المواقف ودقتها واتفاقنا واختلافنا معها بل عن آلية العمل.
نقول هذا، ونحن نحاول في الاردن ان نبعث حياة سياسية حيوية. فالحكومات لا يمكنها ان تصنع للاحزاب والتنظيمات زعامات ورموزا يقف لها الناس احتراما، ويصغي خصومها وانصارها لما تقول ليس لموقعها فقط بل لانها تتحدث بمضمون سياسي وفكري.
جزء رئيس من المؤسسات والمؤسسية احتراف العمل السياسي. وهذا لا يعني التفرغ وتقاضي الرواتب من موازنات الاحزاب والتنطيمات، فالاحتراف قدرات وممارسة حياة عملية وفق اسس سليمة. فلدينا في الاردن العديد من القادة المتفرغين لكنهم ليسوا محترفين، وبعضهم يأتي الى عمله كأمين عام او مسؤول تنظيم مثل موظف يقرأ الصحف ويشرب القهوة او "الزهورات" ويتابع الامور مثلما يفعل اي شخص، والاهم انه يعلم - في داخله- انه ليس شخصا مؤثرا، وكذلك الجهة السياسية التي يمثلها فانها اقل تأثيرا، وحتى النواب او الكتل التي ترى في نفسها اطرا سياسية او شبه سياسية فإنها تفتقد الى الرموز والزعامات، باستثناء بعض المحاولات. والبعض يعتقد انه اصبح زعيماً سياسياً اذا تم تعيينه مقرراً او ناطقاً باسم كتلة نيابية مسيسة او اميناً عاماً. فهذه المواقع ذات طابع اداري ولا تمنح صاحبها اكثر من امتيازات شكلية، اذا لم يكن محترفاً للعمل السياسي ولم يمتلك مواصفات القيادة والزعامة.
لن ندخل في جدل حول أسباب غياب الحيوية عن السياسة الأردنية، فالامر مرتبط بمناخ عام، لكن بعضنا يحب ان يهرب من ضعفه ويحلِّق في اسباب لها علاقة بانهيار الكتلة الشرقية وقمع الحكومات والقوانين، وكل هذا له دوره، لكن كل قوانين السياسة والانتخابات لا تصنع من شخص عادي محدود القدرات زعيماً او رمزاً، ولا يمكن ان تصنع من موظف محترفاً.
مثلما نشكو في الحكومات من وجود موظفين برتبة عالية، لكنهم يفتقدون الى النكهة السياسية والامتداد الاجتماعي، فإن الساحة السياسية والنيابية والاجتماعية شبه خالية، ولا حياة سياسية حقيقية من دون رموز وقادة وزعامات محترفة.
اخيراً فقد لفت انتباهي ان احد سائقي التاكسي في بيروت اعطى لاحد قادة السياسة هناك مكانة الزعامة وهو من خارج طائفته لاسباب منها انه شخص غير فاسد ونزيه ويده نظيفة، فلا زعامة حقيقية لاي سياسي اذا غابت هذه الصفة الهامة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة