محمد حسن طنون
عضو هيئة علماء السودان
كل عام والقراء الأعزاء والمسلمون والمواطنون والنزلاء على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم بخير، ونسأل الله لأمة الإسلام أن تعود، ولشريعة الله أن تحكم وتسود، كل بلاد المسلمين.
لقد استقبل المسلمون رمضان غير متّحدين فصامت أقطار قبل غيرها، فهل سيفطرون متوحّدين أم سيختلفون؟.. والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:"تطاوعوا ولا تختلفوا " فالخلاف في الصغيرة والكبيرة شر مستطير.. إن كان سبيلا لتمزق المسلمين عندئذ هو منقصة وشؤم، وتوحد المسلمين فريضة إن كنتم تعلمون.
لقد مرت أيام رمضان مر السحاب؛ فرمضان أيام معدودة وليس فريضة العمر أو الدهر فالله يريد للعباد اليسر لا العسر.
كان الصوم إعلانا للعصيان رغبات الأنفس الشح ابتغاء مرضات الله.
هكذا كان كل يوم من أيام رمضان عيدا دينيا سما فيه الروح وتوثقت الصلة المتينة بين الله عز وجل وبين العباد وقويت صلات القربى بين الأقارب والأباعد.
هكذا كان كل يوم من أيام رمضان عيدا قائما بذاته ، عيدا القلب والروح وعيدا للشعب ومظهرا قوميا.. التقى المسلمون قيادة وقاعدة على مائدة أهل الكتاب.. تناولنا طعامهم وأفطرنا معهم في جو من المودة والألفة والمحبة والمجاملة فتم التزاور في ناديهم فكان التضايف والمؤاكلة والمشاربة فطعامهم حل لنا وطعامنا حل لهم، وهكذا في هذا الشهر الكريم الذي أوشك على الرحيل وآذن بالوداع تحقق نهج الإسلام وتصوره للمجتمع المتكافل المتضامن الذي لا عزلة فيه بين المسلمين في دولتهم وأهل الكتاب ما لم يقاتلونا في الدين ولم يخرجونا من ديارنا ولم يظاهروا على إخراجنا.
عكس هذه المائدة وتلك التي كانت في القاهرة بين جماعة الإخوان والأقباط كما يحدث كل عام كانت مائدة البيت الأبيض بقيادة بوش وهي مائدة سنوية استحدثت بعد 11 سبتمبر 2001م ذلك التاريخ الأسود الذي أعلن فيه البيت الأبيض حربا صليبية ضد الإسلام والمسلمين وأرسل جيوشه وجيوش حلفائه لاحتلال بلاد المسلمين وحرك عملاءه في الداخل لإشعال نار الفتن والحروب المحلية لخدمة أهداف البيت الأبيض.
ألقى الرئيس بوش خطابا كله أغاليط أمام تسعين مسلما حضروا مائدته من سفراء الدول العربية والإسلامية وممثلين عن مسلمي أمريكا ادعى أن ما يقوم به من قتل ودمار وسفك للدماء في بلاد المسلمين هو دعم للمسلمين الباحثين عن الحرية في العراق وأفغانستان ولبنان ومسلمين آخرين لم يسمهم.
من هم المسلمون الباحثون عن الحرية ليدافع عنهم بوش بجنوده ؟ هل كرزاي وعلاوي وجلبي والمالكي والطالباني وأمثالهم كسعد الدين إبراهيم وجماعة أمريكا منهج حياة؟
|
في الوقت الذي كان المدعوون يأكلون ويشربون مع بوش وشرذمته كانت الطائرات تلقى حممها في بعقوية والخالص ومدن العراق الأخرى كما فعلوا مع مدينة الفلوجة من قبل ثلاث سنوات في رمضان أيضا.
فرق بين مائدة الخرطوم ومائدة واشنطن، فمائدة الخرطوم مائدة مسالمة لا يمنع الإسلام من البر بها والقسط معها، ومائدة واشنطن مائدة محاربة ظالمة نهى الإسلام أشد النهي عن الولاء لمن قاتلونا في الدين ولو تحت اسم مستعار هو الإرهاب وأخرجوا ملايين المسلمين من ديارهم وجعلوهم مشردين نازحين تائهين على وجه الأرض لا يجدون ملاذا آمنا وحكم من يتولى أصحاب مثل هذه المائدة بأنهم هم الظالمون ومن معاني الظلم الشرك فهل يعي المسلمون الذين هرعوا إلى المائدة الظالمة هذا التهديد الرهيب الرعيب ، بل هل هم مسلمون حقا؟ |
إننا لنفرح بالعيد لأننا انتصرنا على أنفسنا بترويضها على مغالبة ضرورات الحياة وشهوات النفس ولكن المسلم اليوم يستقبل العيد بفرح مشوب بالهموم والأحزان رغم هذا الرصيد الإيماني الروحي الكبير ورغم هذه السياحة الربانية والرحلة الروحية التي طهرت النفوس وزكت الأرواح.
المسلمون يستقبلون العيد بقلوب قلقة غير مرتاحة لما يجري في أرض المسلمين من بغي وظلم وعدوان.
في السودان جهود خفية تبذل في عاصمة الشر والبغي واشنطن لإجهاض جهود السلام بين الشمال والجنوب.
وفي دارفور المسلمة جروح غائرة وصدام جاهلي مأسوي بين الحكومة الشرعية وجماعات طلاب السلطة والثروة والجاه على أشلاء وجماجم أهل دارفور وهي جماعات اتخذت أعداء الله أولياء من عواصم الكفار مقاما ومستقرا.
ويستقبل المسلمون عيدهم وجرائم اليهود تتواصل ومجازرهم ترتكب والشعب الفلسطيني المسلم أرهقه الحصار وسجنه الجدار والعالم صامت صمت أهل القبور.
أما ما يفرح ويحزن في آن معا ما يحدث في أرض الرافدين وأفغانستان المسلمة من قتل وهدم وتدمير والمفرح تلك المقاومة الباسلة من الشعبين التي تذيق أمريكا وخدمها من دول الصليب العلقم وتجعل من أرض المسلمين مقبرة للمعتدين الظالمين ومع قليل من الصبر سيأتي الفرج وغدا إنشاء الله سيهزم الجمع ويولون الدبر.
مع كل ما يصيبنا من ضر وأذى ومآس من كفار هذا الزمان فلن نيأس من روح الله ولن نقنط من رحمته فاليقظة الإسلامية التي انتظمت كل العالم الإسلامي وبشيء طفيف من الترشيد والتفعيل ستصنع الأعاجيب ، وأهل السودان أحق بالفرح فنصيبهم من الحرية ازداد واتسع ونتفاءل إلى غد مشرق خير من الأمس واليوم ما دمنا على ثقة بالنفس واطمئنان إلى الله ونهوض بالواجب ؛ وأوجب واجباتنا هي ضبط النفس ومضاء الإرادة واحتمال التضحية والفداء والعمل الدءوب لتوحيد أهل القبلة.
إننا نفرح بالعيد لا لأننا لبسنا الجديد ولكن لأننا لبسنا الجديد جلبابا من الحرية وصمود في وجه المؤامرات والكيد والمكر الذي تكاد الجبال الرواسي من فظاعته تمور
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :أعياد
login |