لم يستطع وزير الدفاع الاميركي ان يكتم احباطه كما يكتم خسائر جيشه في العراق,، فأعلن ان حالة فساد كبيرة وواسعة عاشتها عمليات إعادة إعمار العراق، وهذا الاعمار له طرفان، الأول هو ادارة الاحتلال والحكومة العراقية، والثاني هو الشركات واكثرها اميركية. اي ان الايدي الاميركية شريك استراتيجي في عملية الفساد. والاهم ان كل مثاليات وادعاءات الديمقراطية الاميركية لم تستطع ان تقدم نموذجاً يختلف عن اسوأ نماذج الديكتاتوريات الفاسدة، واذا اردنا ان نحاكم الامر بصورة شاملة فإن ما يسمى بإعادة إعمار العراق جاء استحقاقا لعملية هدم وتدمير مؤسسات الدولة العراقية, وما نتج عن حرب الاحتلال من تدمير وقصف وقتل، وهنالك شكل من اشكال التدمير وصل الى الانسان العراقي وامنه واستقراره واساسيات الحياة.
فساد برعاية وادارة اميركية تماماً مثلما هو الفساد الذي بدأت تفاصيله تظهر في السلطة الفلسطينية وقيام النائب العام هناك بفتح ملفات تصل قيمتها الى (700) مليون دولار في كيان يعتمد على المنح والمساعدات والتمويل المشروط بخطوات ومواقف سياسية، فكيف يكون الحال لو تحول الحكم الذاتي المحدود الى دولة كاملة الاوصاف؟
وحين تسارع الحكومة الفلسطينية الى احالة هذه الملفات الى القضاء، فليس لانها اكتشفت الامر الان، بل لانها تريد ان تسحب البساط من تحت اقدام حكومة حماس القادمة، واعطاء سبق مكافحة الفساد لحكومة حركة فتح وليس للحكومة القادمة المفترضة، لكن هذا البعد السياسي لا يغير من الحقيقة شيئاً، فالفساد ضحيته الاولى المال العام سواء في العراق او السلطة او اي ساحة اخرى، ومن يدفع الثمن فهم الناس بفقرهم وبطالتهم وقلة الخدمات وتضخم جيوب البعض وارصدتهم ونفوذهم.
والولايات المتحدة تفتخر بسياستها انها صنعت ديمقراطية في السلطة والعراق، لكن الديمقراطية كما تفهمها اميركا صناديق اقتراع وانتخابات، وتحاول التضليل، ويغرق البعض في هذا المفهوم الخاطئ. فالديمقراطية آلية ووسيلة لاعطاء الانسان حقه في المشاركة، لكن المفارقة ان المواطن العراقي والفلسطيني يعطي حقه في اختيار النواب لكنه مسلوب حقه في امتلاك وطنه وارضه ومقدراته، فهو يملك القدرة على وضع ورقة في صندوق الاقتراع لكنه تحت الاحتلال، وفي ظل بنادق ودبابات المحتل، فهو مفهوم جديد للديمقراطية التي تحظى برضى واشنطن، ديمقراطية تحت الاحتلال والقتل وغياب الأمن والسيادة حتى لحملة الالقاب في السلطة الفلسطينية والعراقية. واذا كان مفهوم اميركا للديمقراطية المشبعة بالفساد المالي، فإن فساداً آخر يمارسه بعضنا حين يفرح بهذا الحال، ويجد فيه انتصاراً له، ويعتقد انه يمارس سيادة ويشكل حكومة ويحمل ألقاباً؛ لكنهم عاجزون حتى عن دخول بلادهم الا بموافقة الاحتلال، وحتى من هو في الداخل فإنه يعجز عن الانتقال الا بعد ابلاغ امن المحتل.
اميركا ترسم لنا نماذج جديدة في الديمقراطية، وبعضنا يغرق فيها بل ويفاخر بأنها أنموذج ديمقراطي شفاف ونزيه ويغمض عينيه عن ان وجود الاحتلال نقيض لاي سيادة، ولا ديمقراطية مع بنادق الاحتلال وتعليمات اجهزة امن المحتل، ولا يغير من الحقيقة الكميات الكبيرة من الميكروفونات التي توضع امام قادة ديمقراطيات الاحتلال، فالعبرة في الواقع والقدرة الحقيقية للسلطة في اي مكان.
رامسفيلد يعلن ان اعادة اعمار العراق تحتاج الى فترات طويلة، وهو يتحدث عن اعمار الجمادات والجسور وبعض المؤسسات، لكن من يضمن اعادة اعمار الدولة والانسان العراقي وتخلصه من الطائفية والميليشيات والافتراق الذي عززته صناديق الاقتراع التي تمثل عنوان ديمقراطية بنادق الاحتلال.
اسوأ انواع التضليل ليس في ادعاءات دول الاحتلال، بل فيما يمارسه بعضنا من تزيين هذه الادعاءات واعادة انتاجها للجماهير على انها ديمقراطية حقيقية ونزاهة وشفافية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة