استوقفني في حديث رئيس الوزراء الذي بثه التلفزيون الاردني مساء الجمعة تبريره للخصخصة وحديثه عن القطاع العام. وعندما اراد الرئيس تبرير قناعته بالخصخصة قدم اجابة مقتضبة، من خلال مثال عن تعطل سيارة حكومية على طريق عمان-العقبة في مدينة القويرة، إذ لاحتاج إصلاحها وإرسال "ونش" لها العديد من الكتب الرسمية، لكنها لو كانت سيارة خاصة لقام صاحبها على الفور بما يجب. وأكمل الرئيس اجابته بالإشارة الى ترهل وروتين وبيروقراطية في القطاع العام.
وليسمح لنا دولة الرئيس؛ فالخصخصة لم تأت لمعالجة الروتين الحكومي، بل هي جزء من برنامج اقتصادي تبنته حكومات دول كثيرة من العالم الثالث تحت ضغط مشكلاتها و"نصائح" صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد تحول هذا النهج لدى بعض الدول، نحن من ضمنهم، الى بيع وتأجير لكل ما يمكن، تحت مبرر تشجيع الاستثمار واستقطاب رؤوس الاموال، حتى وصل الأمر الى التفكير بالمدينة الرياضية، وإشاعات "مغرضة" حول الجامعة الأردنية.
وجزء من عملية تبرير الخصخصة كان هجوماً شاهدناه خلال السنوات الماضية على القطاع العام، ومارسه البعض بحسن نية. لكن القطاع العام هو الذي كان وراء بناء الدولة والإنجاز الذي نتحدث عنه جميعا، وأشار إليه الرئيس أيضا حينما قال إنه يثق بقدرة الإدارة الأردنية وكفاءتها؛ فهذا القطاع ليس موظفاً في وزارة الزراعة او الصحة يشرب الشاي في وقت العمل، بل هو الدولة التي بنيت رغم الإمكانات المحدودة، وهو الجيش والأجهزة الأمنية والوزارات والدوائر في وقت كان كل شيء فيه هو القطاع العام.
مشكلتنا مع الحكومات انها هي التي تنتقد الروتين، وتعلن الحرب على الفساد، وتطالب بالإصلاح، وتتحدث عن عزمها مكافحة الفقر والبطالة، مع أن الحكومات هي التي صنعت كل هذا بسياساتها غير الناجحة، او بأداء متواضع، او بتشكيلات حكومية وتعيينات لا علاقة لها بالأسس الموضوعية. فالمواطن العادي لم يصنع الفقر، وليس هو اصل الفساد، ولم يمنع الحكومات من معالجة الترهل والروتين.
وحتى لو سلمنا بقصة السيارة "الخربانة" والكتب الرسمية لإصلاحها، فإن احدى مشكلات القطاع العام كانت في الإدارة العليا. فالعديد من الشركات العامة تم هدر فرصها للربح عبر تعيينات لمديرين ورؤساء واعضاء في مجالس ادارة بشكل غير موضوعي، ودون مراعاة للقدرة والكفاءة، فتحولت هذه المشاريع من ثروات وطنية الى قصص تحمل شبهات فساد اداري او مالي، او على الأقل الى عبء على الموازنة، ولم تكن مشكلتها في كادر العمال والموظفين والمهندسين، ولا علاقة للترهل والروتين بهذا.
وخلال الأعوام الاخيرة تمت الاستعانة بخبرات من القطاع الخاص في الحكومات والادارات، فكان العديد منها بلا خبرة حقيقية ولا قدرات مؤهلة، فنقلوا الى القطاع العام مصالح خاصة، وأمراض القطاع الخاص ولم يضيفوا شيئاً الى القطاع العام وجهاز الدولة.
الخصخصة ليست تجاوزاً للروتين، بل برنامج اقتصادي مارسناه بشكل عمّق الفقر، وحمّل الطبقات الفقيرة والمتوسطة الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية، وما بعناه من مشاريع لم تتحول امواله الى حالة مالية استراتيجية، بل اعتبرته بعض الحكومات وسيلة لإنجاز يجب ان تمارسه الموازنة السنوية من مشاريع وبناء مدارس او طرق. ولهذا، فالحكومات لم تهرب من ضعف القطاع العام الى حالة افضل، بل كنا اشبه بمن يبيع مقدراته ليصرف منها او يسدد بعض الديون.
والحكومات، بما فيها الحكومة الحالية، لم تنصف القطاع العام؛ فالشاب الجامعي الذي يحصل على وظيفة بعد انتظار سنوات يتقاضى راتبا مقداره 185 ديناراً، بينما يمكن ان يحصل على راتب مضاعف في الشركات الكبرى الخاصة، فأي حوافز ودافعية لموظف راتبه لا يكاد يكفيه، ناهيك عن بناء اسرة!؟ وحتى الآن لم نسمع من اي حكومة برنامجا حقيقيا لإنصاف القطاع العام، بينما يتهكم عليه البعض ويرمونه بالاتهامات. القطاع العام بمشكلاته سببه سياسات الحكومات، وليس نقص قدرات الموظفين او كفاءاتهم.
اما الفساد فإنه ليس خاصاً بالقطاع العام، فالقطاع الخاص لديه قصصه الخاصة من الشللية والمسحوبية والعائلية، لكن الحديث عنه قليل، ومتابعة اموره غير ملموسة. ولكل اردني حق في عنق كل الحكومات، ليس بتبرير الواقع الاقتصادي والبحث عن مخارج لرفع الاسعار، بل في حساب فات زمنه لأصل المشكلة والكارثة التي فتحت علينا الكثير من المسارات السلبية. فالفساد ليس رشوة بعشرة دنانير، بل وضع مقاليد الامور في مؤسسات عديدة بأيدي من هم ليسوا أهلا للمسؤولية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة