يبدو أنّ الخبر الذي نشرته (الديلي ميرور) حول وثيقة تؤكد أن بوش كان يعتزم ضرب قناة الجزيرة، من الأخبار التي تتطلب قدرا كبيرا من التحايل على العقل للقبول بها. ومن الصعوبة البالغة أن نقبل بتلك الوثيقة وأن نأخذها على محمل الجدية. إذا كان الرئيس بوش حانقا على قناة الجزيرة، وهو كذلك، فهناك الكثير من الوسائل والأدوات الأخرى التي يمكن استخدامها لممارسة الضغوط على إدارة القناة، بالتحديد من خلال الحكومة القطرية.
يستند كثير من المراقبين والمحللين العرب على قبول رواية (الديلي ميرور) من خلال العديد من المؤشرات والوقائع، إذ يقيسونها على قصف مقر الجزيرة بكابول، وعلى قتل مراسلها الشهيد طارق أيوب في بغداد، وعلى اعتقال تيسير علوني في إسبانيا والمصور السوداني سامي الحاج في غوانتانمو. هذه الأدلة تؤكد بالفعل أن قناة الجزيرة تواجه حربا كبيرة، لكنها - أي هذه الأحداث- مرتبطة بشروط الحرب ومناخها، وهو ما لا يمكن حدوثه في حالة سياسية سلمية طبيعية، إلا إذا سرَّحت الإدارة الأميركية عقلها وأعطت المنطق إجازة مفتوحة!
في المقابل، عدم القبول بالوثيقة التي استندت عليها (الديلي ميرور) لا ينفي تجاهل الدور الكبير الذي تقوم به قناة الجزيرة في كسر شوكة الاحتكار الأميركي للإعلام اليوم، بل وفي التصدي للدعاية الأميركية التي تحاول دوما تضليل الرأي العام الأميركي والعالمي وخلق قناعات وانطباعات غير صحيحة خاصة في فترات الحروب. وهو ما يستثير – بالفعل- الانزعاج الأميركي من الجزيرة، ويدفع بعدد كبير من المفكرين والسياسيين اليمينيين في واشنطن إلى اعتبار الجزيرة بمثابة العدو الخطير على المصالح الأميركية في العالم.
ويمكن لمن يرصد مراكز التفكير والإعلام الأميركي أن يقف عند القراءة المتوترة لدور الجزيرة والحملة الإعلامية الكبيرة عليها. وهذا بدوره يدعو إلى تساؤل منطقي حول السبب الذي يدفع قوة عالمية كبرى تمتلك أهم أدوات الإعلام والاتصال أن تشعر بالعجز والتململ من قناة فضائية تابعة لدولة صغيرة حليفة، ولا تمتلك إلا الجزء اليسير من إمكانيات الإعلام الأميركي.
الجواب على ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى سياسة المحافظين الجدد التي اعتمدت بشكل كبير على توجيه الإعلام وإدارته وتكبيل حريته، بحيث يتلخص دوره الرئيسي في حشد الرأي العام وراء سياسات المحافظين الجدد لتأييد الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة، من خلال خلق دعاية سياسية تقوم على الأكاذيب والمبالغات، ما يتطلب سيطرة تامة على الإعلام والصور والأخبار وعدم السماح برؤية إعلامية أخرى. وهو ما أدى إلى صوغ نموذج جديد للإعلامي: "الإعلامي المندمج" الذي يرافق القوات الأميركية وتخضع تغطيته للرقابة العسكرية، التي تتحكم – أيضا- بالصور المسموح ببثها من أرض المعركة والحرب.
دور "الإعلامي المندمج" والسيطرة على الإعلام في وقت الحروب يمثلان جزءا رئيسا من استراتيجية جديدة يعتمد عليها المحافظون الجدد، وتقوم على إسناد دور كبير للإعلام من خلال تطوير مفهوم "الحرب النفسية" لتلعب دورا حاسما في التأثير على الخصم بخلق قناعات وإيحاءات غير صحيحة تعمل على تدمير البنية النفسية له، وتهيئ لحالة من الإحباط واليأس. وهي الشرط الأساسي لقبوله الهزيمة.
أحد أبرز الأدبيات التي يقوم عليها تصور الحرب النفسية كتاب "انبثاق سياسة المعرفة" لكل من جون أركيدا ودايفيد روزنفلت (الصادر عن مؤسسة راند عام 1999)، إذ يؤكد الكاتبان أن العامل الحاسم في الحروب المستقبلية هو الإعلام، وأن الحروب ستكون في المرحلة القادمة أقرب إلى "الحروب الافتراضية" التي تقوم على دور للصور الإعلامية أخطر من دور الجيوش ذاتها.
وتعد كل من الحرب الأفغانية والعراقية انعكاسا واضحا للصراع الإعلامي الكبير الذي خاضته قناة الجزيرة مع الإدارة الأميركية؛ فبعد أن كانت حرب الخليج الأولى مهمازا لصعود نجم قناة CNN عالميا. فإن الحرب الأفغانية كانت علامة على سقوط مريع لهذه القناة، في مقابل بروز واضح وملفت لقناة الجزيرة، التي تمكنت في الأيام الأولى من الحرب احتكار الصور والأخبار من كابول، ونقلت "الصورة المناقضة" تماما للدعاية الأميركية. واضطر المواطن الاميركي والغربي - للمرة الأولى- في تاريخ الإعلام الى اللجوء لقناة الجزيرة ليشاهد الصور الحقيقية الواردة من أرض المعركة، بما في ذلك هدم المنازل المتواضعة وقتل المدنيين والأبرياء، بما كان يظهر ضعف وهشاشة الدعاية السياسية للمحافظين الجدد وتناقض أقوالهم حول عدم استهداف الأبرياء والمدنيين. فيما اقتصر دور الفضائيات والصحف الأميركية على نقل الأخبار عن الجزيرة، ما اعتبر قفزة نوعية للإعلام العربي، صدمت الإدارة الأميركية، وأفقدت الثقة بماكنتها الإعلامية الأضخم تاريخيا، وأدت إلى جدل كبير داخل المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الأميركية.
الرد الأميركي على الجزيرة كان بقصف مقرها في كابول، وفي احتكار قناة CNN للتغطية الإخبارية فور سيطرة الجيش الأميركي على كابول، واضطر مراسلو الجزيرة إلى الهروب مع قوات طالبان والقاعدة فرارا بأنفسهم تحسبا للانتقام الأميركي، وهو الانتقام الذي لاحق تيسير علوني إلى إسبانيا، ومصور الجزيرة سامي الحاج إلى غوانتنامو.
استُأنِفت الحرب بين أميركا والجزيرة بدرجة أكبر وأخطر في الحرب العراقية الأخيرة، إذ وقَّعت الإدارة الأميركية على عقود مع العديد من شركات العلاقات العامة لتقديم دعاية تسند حجج الحرب ومبرراتها على العراق. وعملت هذه الشركات على "شيطنة" صورة صدام حسين والنظام العراقي، والحديث عن الأغلبية الشيعية المضطهدة والحقوق الكردية، مما ساعد على تسهيل عملية الغزو العسكري.
على الطرف الآخر، كانت الجزيرة تمثل القناة الشعبية العربية التي تقدم الرؤية الأخرى المناقضة للرواية الأميركية. وفي أثناء الحرب تغلبت الجزيرة على مختلف القنوات الإعلامية الأميركية والغربية، وتمكنت من نقل الرواية الأخرى للحدث، وبثت العديد من الصور التي مُنِع الإعلاميون الأميركيون من تغطيتها، ما أثر كثيرا على الرأي العام العالمي والعربي، وأحبط الحجج والدعاوى التي كان يسوقها الأميركيون.
حرب الصور والإعلام هي حرب الوعي والأفكار، ومن يكسبها يكسب جزءا كبيرا من المعركة، ما يعني أن مفهوم الحرب ذاته قد تغير، وأننا أمام حرب من نوع جديد - على حد تعبير حسنين هيكل- وهي الحرب التي تخوضها الجزيرة - بالوكالة- نيابة عن الاعلام العربي.
m.aburumman@alghad.jo
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد