غيمة التبغ

 

أفضل طريقة لمكافحة الفقر، هي التخلص من الفقراء. هذا رأي بعض البطرانين من سلالة (ماري أنطوانيت)، صاحبة النصيحة البسكويتية المزجاة لجوعى، لم يجدوا خبزاً حافاً، ذات مسغبة. وبما أننا في زمن مقلوب مثقوب، فقد عالجنا قضية رواج سوق الدخان المهرب، بما يشبه نظريتهم؛ حين وافقنا على تخفيض سعر الدخان المحلي، ليبقى منافساً للمُهرب.

كان الأولى أن يعالج المرض لا العرض، فيكافح التهريب ذاته، وتجفف منابعه، ويلاحق أزلامه، ويضرب بحديد سماسرته ودهاقنته، لكن الجهة المسؤولة عمدت إلى ذر الرماد بالعيون، واختارت ما يبدو حلاً سهلاً، ورضخت لطلب شركات التبغ، التي يهمها كثيراً جيب المواطن وصحته، فخفضت سعر منتجها المحلي.

في فلكلورنا الاقتصادي العتيد، أن ما من شيء يصعد سلم أسعارنا، وينزل درجة واحدة، أو يتزحزح بعض فلس أو فلسين. إلا في الدخان، ولربما من أجل الدخول بموسوعة غينيتس للارقام القياسية، حينما (نعجُّ) على السجائر، ونصنع أكبر غيمة تبغ غزلية تعلونا وتدرُّ علينا خيراتها الثِقال الجِسام.

سأتجاوز مقولة (الرأس اللي ما بيه كيف حلال قطعه)، التي كان يلمزني بها صديق رحل عن دنيانا، مذبوحاً صدرياً، رحمه الله، إلى أنشودة ما زال يرتلها على مسامعي بعض الأصدقاء الشرسين تدخيناً: (إن كثُرت همومك، دخن لها). أو (دخِن عليها تنجلي)؛ أي الهموم.

ولأن الجهة المسؤولة معنية جداً بالتخفيف عن المواطن المحروق داخلياً، الملتهب نفسياً، فقد وافقت على تخفيض سعر دخانه بكل سلاسة، لزيادة الخيارات الاستهلاكية أمامه: محلي، مهرب. وهذا من باب الشفقة. ألا يكفي أن ارتفع سعر ناره؟.

للأسف فشلنا في فرض قانون منع التدخين في الأماكن العامة، ونجحنا في زيادة الرقعة الإنسانية من المدخنين، حتى بدا غير المدخن غريبا شاذا، والارقام والإحصاءات بهذا الشأن مرعبة كارثية، لاسيما بين طلبة مدارسنا وجامعاتنا، ذكورا وإناثاً، بفضل سياساتنا الرخوة. رغم أن فاتورتنا التبغية تتقارب من مليار دولار سنوياً، ما بين ثمن للسجائر وعلاجات لأمراضها.

كنت أتوقع أن يتم اللجوء الى زيادة الضرائب على الدخان، ومحاصرة المدخنين، وتضيق السبل أمامهم، كما تفعل الدول المتحضرة المعنية بصحة مواطنيها، وأن تغلظ عقوبة تهريب الدخان، لأنه خيار، وليس حياة، وأن تخفض الضرائب عن أشياء أساسية، تمسُّ حياة البسطاء.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية