بيدر وسنابل
دائماً يباغتنا رأس السنة، ويأخذنا على حين غرة. ويداهم انشغالاتنا، التي تغرقنا حتى شوشة رؤوسنا. دائما يطل علينا رأس السنة ويضبطنا نشعل شمعة يطفئها هطل دموعنا. فلماذا لا نتذكر السنة، إلا عند نزول (ماء رأس) أول أيامها؟
. لماذا لا نجرب أن نحتفي بذيل السنة، وأفولها، واندثارها؟ | . كي يختلط بكاؤنا من سنة ولت، بفرح خجول لسنة تهل على عجل وارتباك.
يااااااااه، كيف يفر منا هذا العمر المتفلت المجنون؟ | ، كيف يفرُّ كعصفور يغافل قفصه المفتوح، ويطير كشهاب بعيد. أو كيف يخدعنا كسراب بقيعة نحسبه الماء؛ فنعود من ظمأ إلى ظمأ؟ | . بل، كيف يتسرب منا العمر كحفنة رمل بيد طفلٍ يلهو؟ | . يا الله. كيف تتبخر أيامنا فنصير سحاباً تذروه الرياح وسواقي النسيان؟ | . وهل سيبقى الديك صائحاً في بحة الفجر ينادي وينادي: (هل مرت من العمر ليلة، ونحن لا نشعر بذلك، ولا ندري)؟ | .
عند كل رأس سنة جديدة، أحتار بأيامي كيف أحسبها؟ | ، هل كل يوم مررتُ به قد عشته، كما ينبغي للحياة أن تعاش؟ | . أم كنت من الذين يجترون سالف أيامهم، فيضيعون كل شيء: مستقبلهم وحاضرهم؟ | . هل حقاً عشتُ حياتي؟ | ، فقِلةٌ هم الذين يولدون ليحيوا، وكثرون ينتظرون يد الموت تقطفهم من شجرهم الآيل للذبول. فهل زرعنا كما ينبغي للحياة أن تُزرع؟ | ، لنحصد كما حصد المجدون؟ | . هل زرعنا خبزاً، أو أن ما زرعناه كان رملاً في ملح أجاج؟ | .
فرق شاسع واسع بين الحياة والعيش، أيها الأصدقاء. النبات والبكتيريا والأميبا، والذباب، كلها تعيش، وكلها يشغل حيزاً في الكون، لكن من منها يحيا حياته؟ | ، هل سنقترف الحياة، ونقتنصها، ونحياها بحذافيرها؟ | .
أو أنها ما عادت تفرق معنا، بعد أن تشابهت علينا الأيام | ، وتساوت في مذاقها، ورائحتها، ولونها، فتوقفنا عن إدراك الأشياء التي تصادفنا وتحيط بنا؛ وصرنا محصنين ضد الدهشة، وبات لا يدهشنا شيء، حتى انكسار خيط من الضوء، في ضباب السماء، وترذذه إلى ألوان قزح مفرحة لا يدهشنا. مساكين نحن، إذ نفقد دهشتنا | .
العمر بيدرٌ نلمُّ سنابله بظهورنا المحدودبة، وبأيادينا المشققة بالعناء. فالخبز جديرٌ بالتعب. فهل تتنفس أرضنا برئة من رحابة فضاء وحرية؟ | ، أو تركنا الآخرين يرشون الملح بين أثلامها، فتموت بيوض أحلامنا بقشورها ويرقاتها؟ | . فدعونا ندُرْ، ونتحركْ؛ ولنترك بصماتنا على زجاج الأيام وكأس الحياة. فغداً سيقولون، إذا ما تلمسوا بصماتنا: هنا كانوا، وهنا عاشوا حياتهم | . عاماً طيباً أتمناه لكم.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |