إنها ثورة شعب
لا أحد كان يتوقع من طاغية دمشق، في خطابه الرابع، ولربما الأخير، أن يترحم على أي شهيد سوري، أو أن يبدي أية حشرجة ندم أو أسف. لم يترحم على أي إنسان، ربما كان قد قتل خطأ برصاص قناص، أو بصاروخ أعمى ذات قصف عشوائي، أو حين امتزج دمه برغيف خبزه، في باب مخبز مقصوف.
وكأن الطغاة حين يصلون إلى نهاية نفقهم، أو حين يحدسون بنهايتهم الحتمية المخزية، لا يكتفون بالقتل ببراميل البارود، وطائرات الميج، والمدافع الكبيرة، بل يعمدون إلى تدبيج خطبة عرمرمية تكون منصة لصواريخ أكاذيبهم، وكأنهم يعرفون أن الدنيا لن تذكرهم، ولن تحفظ بشاعاتهم، وهم يتدحرجون إلى مزبلة التاريخ.
الطاغية بشار لم يكتفِ بأسوأ أفعاله وأرذلها، كنهاية تلوح في أفق حرية السوريين، حينما دلق على رؤوس الناس براميل (التي أن تي) والأسلحة الكيميائية، ولكنه نعق بأسوأ تصريحاته حين استكثر على السوريين أن يثوروا، وأن الصراع فيها ليس ثورة، ولا هو انتفاضة شعب أراد حريته. إنه لا يعترف بملايين النازحين، ولا عشرات آلاف القتلى، ولا يعترف بوجود المخيمات الباردة، التي تحيط بسوريا من جهاتها الأربع . إنه لا يرى إلا ما يريده، ولا يسمع إلا صوته.
يحق للطغاة في ربع ساعتهم الأخير أن يطلقوا أبشع هذياناتهم، يحق لهم أن يقلبوا التاريخ، ويحشروه في جيب سروالهم، لأنهم لم يعودوا يرون إلا أنفسهم، ولم يعد مسموعاً في آذانهم إلا خشخشتهم الناعقة، فقبل فترة قال بأنه صانع سوريا. فهي لا تمتد في جذر التاريخ إلى آلاف السنين وأعتى الحضارات. وينسى أنه صانع الغم لها، ومدميها وقاتل أهلها ومشردهم. ورغم هذا ستبقى سوريا أعظم من كل الطغاة الذين مروا على الدنيا.
هي ثورة وأكثر من ثورة، هي ثورة منذ خرج أطفال درعا، وكتبوا أولى عبارات التحرر على الجدران، هي أشجع ثورة، فما من شعب اعزل ظل يخرج ستة أشهر، مواجهاً الرصاص بالجبهة والصدر مثل الشعب السوري. إنها ثورة حتى ولو ركبها بعض الطفيليات، فالشعب قادر على أن ينظف نفسه منهم، بعد أن يتخلص من طاغيته.
أكاد أرى نهاية الأسد ماثلة أمامي. نهاية تليق بطاغية انفصل عن تراب الحقيقة، وهام في غياهب شطحاته. نهاية لن يُمنح فيها لقب (الرئيس المخلوع)، ولن يحظى ببلد يأويه. فالشعب الذي خطّ أول أبجدية في الدنيا، جدير به أن يعلم العالم أبجدية البسالة والشجاعة، والحرية غالية الثمن. عاشت سوريا صانعة المجد.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية