عامل «تبولة»
من باب التأدب، لا نقول للأعور أعور بعينه، بل نكني عن ذلك بقولنا: فلان عينه كريمة
. ومن التفاؤل نسمي المولود الجديد: عريساً أو عروساً، على اعتبار ما سيكون. ومن التنفير وخوف الحسد، كان البعض يسمي أبناءه أسماء مقززة مثيرة لتسونامي الضحك.
من سخريتنا الموجعة، والتي تضاعف من بردنا، في مثل هذه الأجواء، فقد كان الأردنيون يكنون عن اختلاس الأموال وقضايا الفساد بقولهم: فلان اشترى بقدونس، أو عامل تبولة. وأصل الكناية الخضراء يعود إلى أن يد احد المسؤولين كانت نظيفة، رغم استخدامه لأرق أنواع الصابون، وعندما وصلت أخبار شفافيته المالية إلى الجهات المختصة، أرسلت له لجنة تحقيق.
ولأن الرجل النظيف كان له ظهر قوي، فقد علم بأمر اللجنة، فاستعد لأمرها، وفبرك الأشياء، ورتب الحسابات، ووجد لكل فلس (لهطه) مخرجاً قانونياً على أرض الورق، ولكن الوقت أدركه، وبقي في ذمته ألف دينار، لم يجد لها باباً صحيحاً، فإدراجه تحت بند: (أثمان بقدونس).
اللجنة وجدت دفاتره نظيفة، لكنها اندهشت من أثمان البقدونس التي بدت وكأنها مشتراة من الطرف البعيد لمجرة درب التبانة، فانكشفت لعبة هذا البقدونسي، ومن يومها صار يكنى كل مختلس بأنه: عامل تبولة.
لا نريد أن نسأل عن كمية البقدونس المحصودة والمنهوبة من حواكيرنا ومشاريعنا ومؤسساتنا وجيوبنا الوطنية، ولا أن نستعلم عن أطباق التبولة التي استنزفت مقدراتنا ونهبت ثرواتنا، ولكننا نرى بأننا وصلنا إلى شيء لا غنى عنه: نريد كل (البقادسة البقدونيسيين) وارء القضبان للمحاكمة، متمنين أن تكون صحيحة الأخبار الراشحة، من أن حرامية كبار سيكونون في (خشة خالتهم) قريباً، وأنها ليست ذرا للرماد في العيون، كما تعودنا.
نعرف أن البقدونس عدو لدود للأرانب، يفتك بها وبذريتها بغمضة عين، إذا ما أكلت منه، لكنها على أرض الورق، وفي عالم الكنايات والمجازات غير هذا، فالأرانب الحقيقية (الملايين) لأصحاب الأيادي النظيفة جداً، لا تترعرع في بنوك الغرب، إلا على هذا المطعوم.
إذا كان درب الراتب واحدا، ودروب السرقة مية | ، كما قال شاعرنا الجميل عرار، فإن البقدونس غاب ذكره من قائمة فنون الاختلاس وطوابق الفساد، وحلت مكانه عشرات الأبواب الأخرى، التي يمكن أن تستغل لرعرعة الأرانب وتكثيرها | . ويجب الانتباه إلى أن البقدونس نبات (ملعون حرسي) يشمخ حتى في أماكن جافة، وصحراوية، لا ماء فيها، ولا تراب. ولهذا نحتاج عيناً صقرية تقبض على تبولتهم، وتعيدها إلى حواكيرنا وتعاقبهم عاجلاً. فقد تعبنا.
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |