بلاغ اصدره رئيس الوزراء الى الموظفين يطلب اليهم فيه عدم قبول الهدايا والأعطيات والإكراميات من اي شخص له علاقة او ارتباط بالوزارة او الدائرة او له مصلحة. وهذا انسجام مع قانون العقوبات الذي يجعل قبول الهدايا جرما يعاقب عليه القانون.
التعميم جيد وتذكير للموظفين بواجباتهم، لكن الهدايا والإكراميات والعطايا دورة متكاملة لا تتحقق الغاية من حظرها الا عندما يكون الأمر شاملاً وجاداً، تماماً مثلما يكون التسرب في شبكة مياه، فإن اغلقنا جزءاً واغمضنا عيوننا عن (الحنفيات) الكبيرة فإن التسرب مستمر وانهيار الحائط يبقى متوقعاً ومنتظراً.
والموظف الصغير يمكن ان يتلقى من شخص هدية مثل (كروز دخان)، او باكيت بقلاوة او قلم من اقلام الدعايات التي تصدرها الشركات او مجموعة من الأجندات، وربما عزومة على منسف قد يكون اللحم فيه مستورداً وليس بلدياً، وكل هذا امر مرفوض، والهدف من الهدية التي هي الرشوة قضاء مصالح من يدفع وتحويل الموظف من شخص يعمل لمصلحة الدولة الى حارس لمصالح من يدفع.
لكن هذا جزء بسيط؛ فيجب أن يصار أيضا إلى إيجاد آليات تحول دون الإفادة غير المشروعة، والعمل على التحقق من الصفقات او عملية احالة عطاء او تلزيم له لشخص (هدية!!) من العيار الثقيل يصبح الحديث معها عن كروز الدخان نكتة.
ووعظ الحكومة لصغار الموظفين يصبح عبئاً ادارياً مقابل ما كان على مدار عقود طويلة من "اكراميات" من مسؤولين لمن حولهم. فكيف يصنف: أن يرسل ابناء موظف من حاشية مسؤول كبير الى لندن وواشنطن وعواصم العالم للدراسة على حساب المال العام بينما ابناء الفقراء يعانون مع بداية كل فصل دراسي من جمع رسوم الفصل وثمن الكتب وأجرة الباص؟ أليست هذه "اكراميات" حصل عليها موظف من مسؤوله مقابل ان يتحول الى حاشيته وعين له في مجتمعه؟
ولدينا ظاهرة الولائم التي تقام احياناً للكبار، ولا يقصد بها وجه الله تعالى! فالكثير من هذه (العزايم) اما سبقها تعيين شخص في موقع هام، فهي اكراميات لكنها تأخذ طابعاً اجتماعياً. والمشكلة هنا ليست في صاحب الوليمة، بل فيمن يقبلها وهو يعلم انها اجر لقرار اتخذه او سيتخذه، وأحياناً يصل الامر الى استخدام المثل الشعبي "وراء كل عزومة هامة قرار"، فهي رشىً وعطايا وإكراميات لم يصل اليها قانون العقوبات او ما تحدث عنه رئيس ديوان الخدمة "مدونة سلوك الموظف".
يتحدث الاردنيون ويسمعون عن حكايات عن اشخاص كانوا مثلنا يقضون آخر ايام الشهر من (حصالة البلاستيك) او على الدفتر من الدكان، لكنهم (بجهدهم وعرقهم ومواقعهم) اصبحوا من اهل الفلل التي تزيد تكلفتها عن موازنة بعض الوزارات، ويملكون الاراضي والسيارات، وهم وفق نظام الخدمة او الانظمة الخاصة يتقاضون رواتب مهما بلغت فإنها لا تكفي لشراء شقة، لكن العطايا من مسؤولين او استثمار علاقاتهم هو مصدر الثراء.
اذا اردنا وقف نظام الهدايا والاكراميات فلنوقفه على الجميع ومن الجميع، وان تختفي كل القصص التي نسمعها جميعاً، والا اصبح التعميم الحكومي للموظفين لا يزيد في اهميته عما يكتب احياناً على ابواب المؤسسات في مواسم الصيانة "احذر الدهان". فالهدايا والإكراميات قبل الدهان تظهر على اصحابها الكبار، اما كروز الدخان فيحرقه الموظف خلال يومين من التفكير بمصادر تمويل شراء حذاء لطفله.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة