الكثيرون ادعوا حب العراق والحرص على مصلحته ابتداء من الادارة الاميركية التي عبرت عن هذا الحب باحتلاله وتدمير مؤسسات دولته، مروراً بدول رأت في هذا الاحتلال وتقويض الدولة العربية ثأراً لها وشفاء لصدرها وحقدها، ورفاق وقفوا في خندق "حفر الباطن" يوم كانت مصالحهم اكبر من شعارات العروبة والقومية ثم رأوا في هذه الساحة المتخمة بالجراح مركز نفوذ.
والان وقد اصبح العراق في وضع صعب جداً تتهدده مخاطر الحرب الاهلية ونذر تحول الطائفية الى معول هدم سياسي واجتماعي فإن الحب الحقيقي للعراق والحرص على شعبه يفترض ان يترجم الى فعل حقيقي وتحرك صادق لتطويق الحالة قدر الامكان، فهناك تحركات عربية تقودها الجامعة العربية لعقد مؤتمر لكل القوى في بداية حزيران، وهنالك جهد اردني واضح لعقد مؤتمر للقيادات الدينية العراقية من اجل اطفاء ما امكن من عوامل الفتنة التي اشتعلت بعد حادثة سامراء والاعتداء على مقامات مقدسة لدى الشيعة، وهذه الحادثة لم تكن بداية الامر فأرضية الفتنة صنعها واقع جاء به الاحتلال الذي دمر مؤسسات الدولة وفشل في اعادة بنائها على اسس وطنية. وجاءت الخطوات الاولى للاحتلال بناء على اسس طائفية ومحاصصة تفضل طرفاً على اخر مكافأة على مواقف ساهمت في تعزيز حضور قوات الاحتلال.
مشكلة العراق الحقيقية ان بعض من حوله يرون فيه ساحة لارسال الرسائل لاميركا او غيرها، والبعض يحاول التخفيف عن نفسه من ضغوطات خارجية من خلال الساحة العراقية حتى لو كان ذلك بوسائل تفتح ابواب الحرب الاهلية والطائفية.
وآخرون تذكروا الان، بعد ثلاث سنوات على الاحتلال، ان القوات الاجنبية تواجه بالمقاومة، وبعدما كانوا مدافعين عن فكرة وجود هذه القوات وداعمين لها سياسياً وشعبياً عادوا للتهديد بالمقاومة ليس بحسابات عراقية بل كجزء من تداعيات ملفات اقليمية، وللتلويح للادارة الاميركية بأن العقوبات على طهران ستتم مواجهتها والرد عليها في عواصم اخرى.
العراق الان يحتاج الى أمه الحقيقية التي تدفع ثمناً من امتيازاتها ليبقى ابنها حياً، اما الأم المزعومة فقد تقبل بقسمة ابنها الى جزئين مع امه الحقيقية، فهذه الامتيازات مقبولة حتى وان كان ثمنها حياة الابن ووحدة جسده!
كل الاصوات والاطراف الاقليمية والدولية على محك الصدق، فمن يرى في العراق دولة شقيقة اصابها البلاء وتحتاج للعون ويمد لها يد الصدق فهذا هو الشقيق او الصديق، اما من ينظر لها كأداة لسياساته او ساحة يثأر فيها من الماضي ويصنع فيها نفوذاً وامتدادات فهذا طرف غير صادق حتى وان اتخم الدنيا بشعارات وهتافات وتظاهرات واكسسوارات الثورة او القومية.
الفوضى هي النتيجة المباشرة للاحتلال ونظام المحاصصة، لكن الاستسلام لهذا الواقع سيكون ثمناً اضافياً يدفعه الشعب العراقي يضاف الى معاناته من فقدان الدولة والأمن والعمل والكهرباء والماء، لكنه ثمن من وحدته وهويته وتعايشه مع ذاته.
العراق لا يحتاج من يشتم الطائفية، بل الى من يحاربها سواء من قياداته او محيطه، والميليشيات المتعددة، التي لا تخدم مصلحة العراقيين والعراق عليها ان تتوقف عن القتل والعدوان لان ما تفعله يسير وفق خريطة تعزز الطائفية وتزيد من فرص الحرب الاهلية، فـ"العراق اولاً" في مواجهة حسابات الجيران والاشقاء والراغبين في تحويله الى ساحات حرب بالانابة في معادلات العلاقات الدولية، و"العراق اولاً" لان ممارسة بعضهم اعمالاً تجعل من دول إقليمية وكبرى اولاً على حساب استقرار العراق، ستجعل كل المنطقة معرضة للفوضى ونتائج التطرف.
"العراق اولاً" شعار يفترض ان يحمله كل المخلصين لهذا البلد العربي الذي له في اعناقنا جميعاً دين وواجب، فهذا الملف يفترض ان يكون على سلم الاولويات لتجنيبه الحرب الاهلية والطائفية بعدما فشلنا جميعاً في تجنيبه عدواناً واحتلالاً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة