في حياة فئات من الاردنيين قناعة، ربما ما تزال لدى البعض، ترتبط بالدواء وتحديدا "كبسولات الالتهابات" التي لا يعرف الناس اسمها؛ لكن اسمها غير العلمي وغير التجاري "أحمر وأسود"، فالمريض المصاب بالالتهاب في أسنانه او اللوزتين او الحلق او غيرها لا يمكن ان يقتنع انه سيتخلص من مرضه الا اذا صرف له الطبيب في مستشفى الحكومة او الجيش كبسولات "أحمر وأسود".
وانتقلت العادة من الآباء والامهات الينا نحن الابناء حين اصبحنا مستقلين في شراء ادويتنا، فكنا نذهب الى الصيدلية ونحاول ان نبدو عارفين بالادوية، فنطلب دواء للالتهابات، لكننا نعجز عن ذكر اسمه لاننا لم نحفظه ونضطر في النهاية الى استعمال الاسم الاردني له "كبسولات أحمر وأسود".
هذا الاسم للمضاد الحيوي نوع من المواصفات في ذهن الناس للدواء القوي، تماما مثلما يتداول اهلنا وصفا للمحافظ فيقال مثلا ان فلانا رأسه "رأس محافظ"، اي يملك مواصفات شخص مسؤول. وقبل عقود كان المحافظ في المدن والقرى هو السلطة الاهم، وهو صاحب القرار، وعندما يتم تعيين محافظ جديد يتسابق الوجهاء والكبار لدعوته للغداء والعشاء، ولهذا لدينا مقولة شعبية عن الشخص الذي يجهز كثيرا لاي دعوة فيقال له "كأنك عازم محافظ"، فكل الحفاوة والتقدير عندما يكون الضيف محافظا.
انها منظومة مواصفات كانت تفترض للمسؤول هيبة كبيرة مكتنزة بالخبرة والعقل والحكمة، وفي قناعة الناس ان من يصل الى مرتبة محافظ، يكون قد حاز على اهم المواصفات والمقاييس.
لكن الزمان تغير فلم تعد قنعات الناس بالدواء بان أفضله "الأحمر والأسود"، ولم يعد المحافظ "اقوى نوع" من انواع المسؤولين، واصبحوا يشاهدون مواصفات للكبار والصغار من المسؤولين لا يتوقف عندها الناس. وأصبح عند الاردنيين أعداد كبيرة من حملة الألقاب (نوابا واعيانا ووزراء وسفراء ورؤساء حكومات ومديرين وحتى امناء عامين لأحزاب) بعضهم لا يحكم اكثر من بضع عشرات، ولهذا لم تعد "عزومة المحافظ " هي المثل الأعلى للكرم.
الاهم قناعة الناس بانخفاض المواصفات، فلم يعد مدهشا ان يصبح اشخاص (عاديون) في كفاءاتهم من اصحاب القرار. فالرمزية للمواقع لم تعد قائمة، والقناعة بان مساحة او حجم الموقع تقابله مساحة مكافئة من المواصفات، وهنا لا نتحدث عن "مواصفات فنية" فقط بل عن مواصفات اجتماعية وسياسية.
سيبقى المواطن يعتقد ان كبسولة "الأحمر والأسود" هي الدواء القوي، ما دام البديل وصفة لا يجد محتواها في صيدليات المستشفيات العامة فيضطر لشرائها من راتبه، ولن يجد اهم من المحافظ ما دام احتلالُ ما هو اهم من هذا الموقع اسهل من الحصول على وظيفة من الفئة الرابعة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة