تتمثل الدلالة الرئيسة لتقرير الأزمات الدولية "يوم 9-11 في الأردن: التعامل مع الإسلامية الجهادية" بأن حالة التطرف والعنف أصبحت ملفتة لانتباه المجتمع الدولي ومؤسسات عالمية متعددة. ويعزز هذه الدلالة مئات التقارير الإعلامية التي تناولت هذه الظاهرة، وإن كان المحرك الرئيس لهذا الزخم والاهتمام الإعلامي هو دور أبو مصعب الزرقاوي في قيادة القاعدة في العراق.
ينطلق تقرير الأزمات الدولية من احداث 9/11 لدراسة "الظاهرة الجهادية" في الأردن، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الزرقاوي - الذي خرج من الأردن قبل سنوات قليلة إلى جبال أفغانستان، وهرب بعد الحرب الأفغانية إلى إيران في ظروف بالغة السوء ثم استقر في العراق- أصبح اليوم مصدر تهديد للدول المحيطة في العراق، وبالتحديد الأردن، ما يعني أن هناك معالم مرحلة جديدة على الصعيد الأمني إقليميا ومحليا.
يجب التمييز بين مرحلتين من مراحل العنف والتطرف. امتدت الأولى منذ عام 1990 إلى احتلال العراق، في حين بدأت الثانية مع احتلال العراق ومثلت أحداث 9/11 تعبيرا قويا عنها. وفي حين اعتمدت الاستراتيجية الأمنية في المرحلة الأولى على دور الأجهزة الأمنية، فإن الاستراتيجية الجديدة لم تتضح معالمها بعد، لكن يجب ألا تنفصل عن قراءة المرحلة السابقة من صعود جماعات العنف في الأردن والدروس المستفادة منها، وهي المرحلة التي لم تدرس أردنيا بحق، وإن كان تقرير الأزمات الدولية يضع يده على بعض معالمها.
بدأت إرهاصات المرحلة الأولى مع منتصف الثمانينيات، ومثّلت انعكاسا لأحداث وتجارب إقليمية كالثورة الإيرانية واغتيال السادات وأحاديث الجهاد الأفغاني المتداولة بين الإسلاميين. لكن بوصلة الجهاديين في تلك الفترة كانت باتجاه فلسطين، والعمود الفقري لتلك الجماعات كان من "الشباب الفلسطيني المتأسلم" القادم من رحم المنظمات الثورية الفلسطينية (تنظيم سرايا الجهاد مثالا).
أما البداية الحقيقية للمرحلة الأولى فقد جاءت مع التسعينيات، من خلال عشرات المجموعات السرية العنقودية. ولد المحفز الأكبر لهذه المجموعات من خيبة الأمل من حرب الخليج الأولى، وتلاقى ذلك مع عودة عشرات الأردنيين الأفغان الذين يستبطنون إمكانية نقل التجربة الأفغانية إلى الأردن إما لإشعال الحدود مع إسرائيل وإما لمحاربة ما يرون أنه "منكرات وضلالات" منتشرة.
الفترة الأولى من التسعينيات (حتى عام 1994) تميزت بأعمال عشوائية استهدفت دور سينما وبعض الأشخاص والمؤسسات، وتمكنت الأجهزة الأمنية من كشفها(كجيش محمد والأفغان الأردنيين). إلا أن الفترة ذاتها مثلت "مرحلة جنينية" للعشرات من المجموعات السرية التي صعدت فيما بعد. وحفّز من صعود"الجماعات السرية" التحولات السياسية والاقتصادية البنيوية في السياسة الأردنية كتوقيع معاهدة وادي عربة وارتفاع معدلات البطالة والفقر والأسئلة المتعلقة بتراجع الحالة الديمقراطية(قانون الصوت الواحد، القوانين الطلابية الجديدة..).
في هذا السياق مثّل تنظيم "بيعة الإمام" 1994  شرارة الاشتعال للموجة الأولى للعنف، وأدى الكشف عن شخصية(أبو محمد المقدسي) واعتقاله إلى توحيد خطاب العنف وارتدائه عباءة "السلفية الجهادية" وإلى نوع من القيادة الجمعية الأبوية لعشرات التنظيمات السرية المنتشرة في الأردن.
تميزت تلك التنظيمات بأنها لا تقتصر على منطقة أو أصول محددة، وعمودها الفقري شباب معدل أعمارهم لا يتجاوز 25 سنة. وعلى الرغم من جدال المقدسي بأن تنظيمه الأول لم يتجه في سلاحه إلى الداخل. إلا أن بوصلة الجماعات التي تبنت – فيما بعد- افكاره اتجهت إلى الداخل سواء لاستهداف مصالح إسرائيلية وأميركية حتى حكومية (تنظيم الإصلاح والتحدي، والتجديد الإسلامي، تفجيرات مخابرات البقعة..الخ).
تميزت تلك المرحلة بظاهرتين: الأولى أن السجن تحول إلى محضن تدريب وتثقيف لأبناء هذه الجماعات، وتمكنوا من اكتساب العديد من الأنصار ممن لا خلفية إسلامية لهم، وأغلبهم ذوي خلفية جنائية وجدوا في الزرقاوي نموذجا أعجبوا به، وأصبحوا أنصارا له. والثانية أن كتب المقدسي كانت تنشر وتوزع سرا خارج السجون وتستهوي عددا كبيرا من الشباب المتحمس والمحبط من الواقع السياسي العام.
نهاية المرحلة الأولى بدأت مع خروج المقدسي والزرقاوي من السجن عام 1999، وتوجه الزرقاوي وعدد كبير من مفاتيح هذه الجماعات الحركية إلى أفغانستان. وبذلك ولدت إرهاصات لمرحلة جديدة من العنف والتطرف في الأردن شهدت بدايتها الحقيقية مع احتلال العراق ومن ثم تحوله إلى محضن للقاعدة والجماعات المرتبطة بها في العالم العربي.
تميزت المرحلة الجديدة بتحول قيادة هذه الجماعات إلى الخارج. في المقابل ضعف الأفراد المتبقين من هذه الجماعات في الداخل، وتحول بوصلة العمل المسلّح إلى العراق، ثم بروز الخلافات بين المقدسي والزرقاوي، وأبرز العمليات التي شهدتها المرحلة الجديدة هي: تنظيم الألفية، القاعدة، محاولة اغتيال برجاق، تنظيم الجيوسي وتفجيرات العقبة وأخيرا أحداث 9-11، بالإضافة إلى عشرات المجموعات التي قدمت إلى القضاء العسكري.
في قراءة العوامل الكامنة وراء صعود السلفية الجهادية والظواهر المرتبطة بها نجد أنها متشابكة مرتبطة بشروط سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو ما يعني ضرورة بناء استراتيجية ذات أبعاد متعددة ومتكاملة. وقد جاءت توصيات تقرير الأزمات الدولية تدعو إلى المسارعة في إجراء إصلاحات سياسية وإتاحة المجال لحرية التعبير والخطاب الإسلامي المعتدل ومعالجة الآثار الاجتماعية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.
النتيجة السابقة تحدثنا عنها طويلا، قبل تقرير الأزمات، وقد كانت أحد أبرز دروس 9-11 إذ نجم إدراك رسمي بضرورة مواجهة الشروط التي تولد الإرهاب، بما في ذلك الفكر التكفيري/ الرافض الذي يقتات على جو الغضب والإحباط العام. لكن ما يشير إليه تقرير الأزمات ويستدعي الانتباه فعلا هو البحث في ترجمة هذا الادراك على أرض الواقع.
إن عملية بناء استراتيجية أمنية صحيحة تتطلب تشكيل لجنة من خبراء ومثقفين أردنيين بتخصصات ومجالات مختلفة تدرس الأوضاع المجتمعية والثقافية والسياسية، وفي سياق ذلك تدرس ظاهرة الإرهاب وقضايا الخطاب الإسلامي. وتقدم اللجنة توصياتها بناء على قراءة صحيحة للظواهر المختلفة التي تهدد المجتمع ولا تقف اهتمامات اللجنة عند الإرهاب بل تطال انتشار المخدرات والجرائم المختلفة ومهددات الصحة ومعضلة السرطان.
ما تدعو الحاجة الماسة اليه اليوم، أردنيا، لجنة لإدارة "الأزمات الداخلية" تصدر تقارير جريئة ومحايدة لمعالجة مختلف المشكلات والمعضلات الوطنية.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد