في الحافلات ترى الناس على سجاياهم، فالذي بجانبك يغط سريعاً، كأن النوم ملك قبضته. ثم ما يلبث أن ينفخ ويشخر شخيراً يشبه العويل، وسينزلق رأسه ملوياً على رمانة كتفك، مما يضطرك الى أن توقظه؛ ليعدل من نومته المتعبة.

وذلك راكب نزق يقاتل ذباب أنفه، يفتعل عراكاً تافهاً مع (الكنترول)، من أجل باقي الأجرة، وهناك رجل مهندم يبتسم لنفسه، وكأنه يرتب أفكاره وعواطفه، استعداداً للقاء مهم، وأمامك شاب يعارك الجريدة بتأفف، وكأنه ينتظر وظيفة لا تأتي. وفي الكرسي الفردي شابة حالمة تخرج مرآتها بتسلل؛ وتتأكد من حمرة شفتيها، وخط العينين.

منذ طفولة.. يعجبك في الحافلة أن تقعد لصق النافذة دائماً، فهذا يسرك ويجعلك تقرأ الطريق المنهوبة، وتطالع الناس الساعين في مناكبها، ناهيك عن أن جوار النافذة يعطيك فرصة لتدع الهواء يداعب وجهك الساخن، ويبرد من غضبك أحياناً، وسيصدف اليوم أن تزيح الستارة الوسخة عن الشباك، فتكتشف الخازوق الذي ينتظرك طوال الطريق.

فما أن تنطلق الحافلة حتى تهاجمك جحافل الهواء المثلوج، تدفع الستارة بشراسة وتصفعك، وكلما زادت السرعة زاد الصفع. وتنظر حولك بريبة وتبتسم، وتستشعر أن الجميع يتحمحمون غيظاً ويقولون في سرهم: شو هالمجنون اللي مبسوط عالهواء البارد بعز المربعانية؟.

الناس في الحافلات لا يميلون إلى إثارة المشاكل كما في المجتمعات في الغالب، بل يفضلون السكوت (أغلبية صامتة)، وتحمل الأذى والصبر عليه، لكن الهواء البارد الذي شتت ما تبقى من دفئهم، لا يجعل الأمر يمر مرور الكرام، فيأتيك صوت غاضب من الكرسي الأخير: يا أخي سد الشباك، فتبتسم باستسلام وتقول في سريرتك: اللي بدري بدري واللي ما بدري بقول كف عدس.

ويزداد البرد فيقف أحدهم ملوحاً بقبضته: صحيح اللي استحوا ماتوا، سد الشباك أحسن ما أسده برأسك. لكنك تبلع الإهانة، وتجعل نفسك ساهياً، فيأتيك صوت أنثوي مكهرب: شو قلة الزوء هادي. دبحنا البرد، صحيح إنك بارد.

ولأن المعارضة عدوى كالتثاؤب أو الضحك؛ فسيتفنن الجميع بقذفك بالشتائم الطازجة وسيعلو الصوت، والسائق ما زال يدخن مبتسماً، وتزداد وتيرة التهديدات بكسر الرأس ونتف الشارب، أو القذف من الشباك، وهنا ستقف غاضباً، وترفع الستارة ثم تغلق الشباك بعنف صارخاً: يا جماعة الخير.. قزاز الشباك مكسووووووووور، و(هيه هيه).. سواء فتحناه أو أغلقناه، فستصفعنا الريح؛ فيبرد الجميع برداً آخر ممزوجاً بالقهر.

وبعضهم سيتمتم في (عبه): سواء كانت الانتخابات نزيهة، أو غير نزيهة، وسواء اشترى المترشحون أصوات نجاحهم بمال سياسي أسود، أو أخضر، وسواء شارك ربع الشعب، أو خمسه أو سدسه في العرس الديمقراطي، فالنتيجة ليست (السقعة) فقط، بل أن المجلس السابع عشر، هو نفسه المجلس السادس عشر، وهو ذاته الخامس عشر. هي.. هي. فالقزاز مكسور.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور