تنفير بلا تدبير

 

أطلق واحد من المدخنين الأشاوس صرخة ساخرة مدوية؛ حينما وجد على علبة التبغ صورة رئتين بيضاء وسوداء: وااااااو. عين الحسود فيها عود. لقد ربحت معلاقاً شهياً. وكتب صديق على جداره في الفيسبوك، بأنه اضطر لشفط عشر سجائر متتابعة كي يهدئ من روعه؛ حينما فجع بصورة ميت مكفن فوق نعش من سجائر مطبوعة على علبته.

قديماً كان بعضُ النسوةِ المسكونات بخرافات الجن وتلبسهم لبني البشر، وكذلك الخائفات من ضربات العين الحاسدة، كن يعمدن إلى افتعال الوسخ على جسد الطفل الجميل، فلا يسبلن له شعراً، ولا يغسلن له وجهاً؛ كي لا يظهر بياضه الأخاذ، بل يتركنه على حاله، ليحتشد عليه الذباب من جهاته الأربع، وأحيانا يدعنه بلا سروال تحتاني؛ فيصبح المسكين هدفاً مثيراً لنقرات الدجاج في باحة الدار.

كل هذا كان على سبيل التنفير، أو ما يسمى ب(وسخة الحسد)، إي أن الجن، أو العين التي لا تصلي على النبي، حين تقع على مثل هذا الولد الوسخ، الذي يبدو وكأنه أخذ للتو مرمغة في موقد يفيض بالرماد والسخام والهباب، حين تقع عليه العين، لا تستحليه، ولا تحسده؛ بل تنفر منه، وتهرب عنه.

وكان يشيع التنفير كذلك بالأسماء، فأحياناً كانوا يطلقون أسماء غاية في البشاعة على أولادهم، انتهاجا لسياسة التنفير وفلسفته، وصداً للعين الحاسدة، وربما ما زال بعض رواسب هذه الخرافة ماثلة ليومنا هذا حين نرى حذاء صغيراً يتدلى من سيارة فارهة حديثة، فهذا على سبيل صرف العين عن جمالها.

أتذكر خرافة التنفير، ووسخة الحسد، كلما قرأت على علب السجائر عبارة(التدخين سبب رئيس للوفاة)، أو رأيت صورة رئة بشرية تالفة، سوداء مهترئة، بفعل التدخين وبركاته وفضائله، ومؤخراً طالعتنا صورة ميت ملفوف بكفن كحبة توفي مسجى على نعش من سجائر: أحلى تنفير.

لا أريد أن أذكر بالإحصائيات الصحية والاقتصادية عن حجم الضرر الكارثي على مجتمعنا من هذه الآفة اللعينة، التي باتت تفتك بنا، وتجتاح أطفالنا ونساءنا. ولكني سأسال: هل هذا الإجراء الصوري سيحول دون مواصلة المدخنين لنهمهم السجائري؟. أم إنهم سيواجهونه بسخريتهم اللاذعة ونكاتهم مع كل غيمة دخان ينفثونها.

لا أعتقد أن السماح لشركات التبغ بتخفيض أسعار السجائر، بدل أن ترفع قيمة الضرائب المفروضة عليها، والتغاضى عن رواج السوق السوداء لتهريب الدخان، لا أعتقد أنها وسيلة جادة في محاربة هذه الآفة، أو بتطبيق قانون منع التدخين في الأماكن العامة.

لن ينفع تنفير دون تدبير، أو خطط من شأنها أن تغير من ثقافتنا المجتمعية لمرض سيجتاحنا حتى آخر رئة متاحة. حماكم الله

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية