في الحديث عن شبكة الأمان الاجتماعي وحماية الطبقة الفقيرة من آثار رفع الأسعار فإن من الضرورة ان نتوقف عند فئة او فئات تتلقى رواتب "نظرية" ويفترض ان تحظى برعاية وتعديل في التشريعات لإنصافها.
ومن هذه الفئات قضية تحدث عنها احد الأردنيين، للزميل محمد الوكيل في برنامجه الإذاعي، أشار فيها الى امه التي هي ارملة متقاعد من القوات المسلحة تتلقى راتباً شهرياً لا يزيد على (29) ديناراً، لأن القانون يمنح الأم هذا الراتب عندما يكون ابناؤها تحت سن 18 عاماً، او على مقاعد الدراسة، وعندما يكبر الأبناء وتتزوج البنات تبقى حصة الأم راتباً شهرياً لا يمكنه ان يغطي تكلفة الماء والكهرباء، وربما تنكة كاز قبل تحرير الأسعار.
التشريعات تضع حلولا لكل المشكلات، بينما قانون التقاعد الذي يعطي للزوجة مثل هذا المبلغ الرمزي يصنع مشكلات، فربما لم يكن لهذه السيدة اولاد، او كانوا في وضع مالي سيئ او دون عمل، فالأصل في القانون ان يقدم للزوجة دخلاً يكفيها حاجاتها الأساسية، لا ان يترك الأمر لابن محترم او علاقات انسانية، وبخاصة ان هذه الأم قد تكون في بيت مستقل له مستلزمات الحد الأدنى من التكاليف, فهل الثلاثون والاربعون ديناراً راتب ام صدقة؟!
الأمان الحقيقي ان يكون للراتب والتقاعد وتقاعد الورثة قيمة حقيقية، لا أن تترك زوجات العسكريين المتقاعدين تحت رحمة الظروف. وهذا يعني إجرائياً ضرورة تعديل القانون ليكون رحيماً عادلاً منصفاً، وليس اداة لتحويل فئات الى فقراء رغم انهم، نظرياً، من اصحاب الرواتب، وهذه الفئات اذا لم يتم انصافها لن تحمل الخزينة اعباءً مالية كبيرة.
وإذا كانت اعادة هيكلة رواتب العاملين في القطاع العام تبدو بعيدة وفق واقع الحكومات، فإن ما هو ممكن التفكير فيه هم أصحاب الرواتب المتدنية، اي الحد الادنى للراتب التقاعدي، منها ارامل المتقاعدين بحيث لا يقل الحد الأدنى للتقاعد عن الحد الأدنى للأجور، وبخاصة بعدما يكبر الأبناء وتتزوج البنات، كذلك فئات من المتقاعدين الذين يتقاضون تقاعداً لا يكاد يكفي، ولعل من اشكال البحث عن شبكة امان حقيقي ان تجري مراجعة الرواتب التقاعدية للطبقات الفقيرة، فالسبعون والثمانون وحتى المائة دينار ليست راتباً او تقاعداً او مصدر دخل.
سيقول البعض: ان فاتورة التقاعد والرواتب من الموازنة ضخمة جداً، لكن هذه الفئات الفقيرة ليست المشكلة، وإعادة النظر بالحدود الدنيا للتقاعد، بخاصة التقاعد القديم، يمكن ان يكون خطوة نحو شبكة امان حقيقية، فلا يعقل ان يقضي احدهم عمره في العمل ويكون تقاعده (100) دينار. فالعبء على الموازنة يأتي من التقاعدات الكبيرة والقانون الذي يعطي لأرملة المتقاعد (29) ديناراً يعطي للنائب بمجرد حلف اليمين حق تعديل راتبه التقاعدي اذا كان موظفاً او معلماً او عسكرياً ليصبح تقاعداً وزارياً، ويعطيه حق جمع التقاعد مع الراتب الشهري لعمله النيابي، وحتى من ليس لهم خدمة تقاعدية سابقة، فإن دخول المجلس يعني الحصول على تقاعد كبير، فلماذا نتشدد مع الفقراء ولا نتذكر فاتورة التقاعد عندما يتعلق الامر بالكبار.
الأمان مصطلح لا يعني اجراءات آنية، بل يتطلب البحث عن كل الوسائل التي تجعل المواطن قادراً على تأمين متطلباته الاساسية، وهذا يستدعي اجراء تعديلات منصفة على تشريعات قائمة، والكيل بمكيال واحد بين الكبار والفقراء، فالعدل جزء من متطلبات الأمان الاجتماعي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة