قرارات الحكومة المقبلة بتحرير اسعار المشتقات النفطية وما سينتج عنها من ارتفاعات لهذه المواد لم تعد محل نقاش وحوار. فبعد سنوات من الرفع التدريجي اصبح الامر منتظرا ولا يرتبط بحكومة، فنحن نسير منذ عدة سنوات باتجاه رفع كامل الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية، والفرق بين حكومة واخرى في السرعة والترتيب وطبيعة الإخراج الإعلامي.
رفع الدعم وما ينتجه من واقع اقتصادي هو جزء من ثلاثة مسارات: الاول رفع الاسعار والثاني شبكة الامان الاجتماعي - التي يجب ان لا تقتصر على دفعات نقدية بل يجب ان تمتد الى حزمة اجراءات اشرت إليها في مقال سابق تتعلق بتوفير السكن للفقراء وذوي الدخل المحدود، التأمين الصحي, رزم غذائية للطلبة في المناطق الفقيرة، جدولة ديون ذوي الدخل المحدود، وتوفير كوبونات للفقراء وصغار المزارعين لمادتي الكاز والسولار-، أما المسار الثالث فيرتبط بآثار رفع الدعم وما يؤدي إليه من ارتفاع في اسعار كثير من السلع والخدمات من قبل القطاع الخاص، وهذا الجانب يحمل عبئا حقيقيا على دخل المواطن وراتبه، فالحكومة قد ترفع سعر جرة غاز ربع دينار مثلا لكن ما يترتب على هذا من ارتفاعات بعضه استغلال ناتج عن غياب الرقابة يحول الربع دينار الى ثلاثة دنانير مثلا، وهذه ليست ارقاما محسوبة، لكنها تمثل الواقع، ولدينا دراسة قامت بها جمعية حماية المستهلك، عندما رفعت الحكومة السابقة الاسعار، إذ بيّنت الدراسة ان فئات من المواطنين تأثرت بحوالي (20) دينارا شهريا نتيجة الارتفاعات التي اجتاحت العديد من السلع والخدمات.
هذه الارتفاعات في السوق قد تكون نتيجة قناعة القطاع الخاص بان رفع الدعم عن المحروقات يعطيه الحق برفع اسعار السلع الأخرى، وإن لم تكن ذات علاقة بالمشتقات النفطية، ويساهم في هذا غياب الرقابة عن الاسواق والحق الذي يعطيه نظام السوق الحالي، بعد الغاء وزارة التموين، للتجار برفع الاسعار كما يشاؤون، اما المواطن فيقرر ماذا يشتري وماذا يقاطع.
لكن الحقيقة اننا لسنا دولة "اقتصاد حر" مثلما نتحدث عن اميركا واوروبا، فنحن دولة ما يزال المواطن فيها يعتمد على الحكومة في اشياء كثيرة. والقطاع الخاص ليس واسعا وصاحب دور كبير، كما ان الرواتب والدخول متدنية لفئات من المواطنين، ولهذا فترك الناس تحت رحمة الاستغلال وقرار التاجر يزيد من آثار السياسات الاقتصادية ويحول القرارات الحكومية الى اداة ضغط على الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
في مرحلة سابقة، من رفع الدعم والاسعار، كتبت عن قصة بائع خضار ارتفعت لديه اسعار الملفوف والزهرة والسبانخ في اليوم التالي لرفع الدعم عن المحروقات، ثم بدأ المسلسل يتكرر مع كل مرحلة يتم فيها رفع الدعم. فرفع اسعار مشتقات البترول ليست المشكلة الوحيدة، بل ما يترتب عليها من استغلال من قبل الشركات والمصانع والتجار حتى يصل الامر الى بائع الحمص والفول و"العربات المتنقلة".
حزمة الامان يجب ان تضمن آليات حقيقية لمنع الاستغلال وعدم تحويل عملية رفع الدعم عن المشتقات النفطية الى مسلسل لا ينتهي في السلع والخدمات الاخرى. ولعل المثال المباشر على حالة الفوضى والاستغلال ما نشهده في سوق الاسمنت. فكما يقول المواطنون: ان ارتفاع اسعاره بأكثر من (40) دينارا للطن نتيجة فقدانه في السوق ليس اكثر من فرض للامر الواقع من المستفيدين من رفع سعره، بحيث يكون فقدان الاسمنت لاسباب واهية سببا لرفعه بعد ارتفاع اسعار السولار. وكل ذلك لأن اجهزة الرقابة الحكومية الموجودة في المصنع او وزارة الصناعة والتجارة لا تملك الصلاحيات الكافية لمنع استغلال المواطن وزيادة الاعباء عليه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة