إني أعيشها
عندما طرتُ كفراشة، في حديقة الخياطة المنهمكة بتفصيل ثوب روضتي الأولى. ضربتني لأني كسرت كبرى ورداتها قائلة: الحياة ليست طيراناً وشيطنة. الحياة شيء آخر يا (قرد). وحين تفاخرت وتباهيت (بشبرة) حمراء، ثبتتها المعلمة على دفة صدري. قالت بنت الجيران بقرف: ستعرف الحياة يا شاطر، حين تكتب اسمك بالفحم، على الجدران.
وعندما كتبت في حصة الإنشاء عن الحرية والبطولة، صفعتني المعلمة، لأني لم أعترف بهوية الذي يكتب لي. وقالت: الصدق الصدق. وعندما شكلت عصابة تسندنا، فركت أذني المديرة، مدعية أن الحياة ليست بالقوة والتجييش. وفي الثالث الإعدادي (التاسع حالياً)، قال زميل يكبرني: الحياة ليست حباً. ولا وردة تلقيها في درب الحبيبة في (فكة المدارس). ولا قصيدة عن أطفال الحجارة، تؤججها في الإذاعة المدرسية بانفعال ودموع. ثم همس: عندما تصبح في التوجيهي، ستفهم الحياة.
في الجامعة قال الطالب الخريج: لا تحلم كثيراً. الحياة ليست فيزياء، ولا معادلات، ولا سياسة، وأفكاراً، وطموحات. وليست حلماً تجبله طيناً بيديك. والحياة يا (سنفور) لا تقاس بالكتب التي تقرؤها، ولا بعدد الأصدقاء. وستشعر بطعمها حين تلبس روب التخرج.
وحينما ترجمت بعض أحلامي لعالمنا المزعج. قالي لي مناضل شائب: الحياة ليست عنفواناً، ولا معارضة، ومنتديات. الحياة أكبر من أن تقاوم ارتفاع أسعار الخبز، أو أن تُسجن عشرة أيام أو أكثر ، ويُحلق رأسك صفراً، وتكبل بكفالات مالية فلكية. الحياة أكبر من أن تقف بوجه حكومات. الحياة أن تدخل دنيا.
في الخطوبة، قال لي رجل بخمسة أولاد: الحياة ليست زجاجة عطر تهديها لخطيبتك، وليست تشابكاً للأصابع في سهرة عائلية، ولا حتى قبلة (على الدفتر) عند باب الوداع. الحياة أولاد، يا (فحل). وحين فرحت بطفلي، قالوا: الحياة طفلان، يسند أحدهما الآخر، وحين جاء الثاني، قالوا: هي لا تكتمل بغير بنت تملأ الدار حناناً. وأبي ما زال يقول: الحياة أن تصبح جداً بعشرة أحفاد، فأكثر.
وحينما حشدت كامل قلبي في الكتابة وعشت ما أكتب، قالوا: لا تتعب نفسك يا فتى
. هذا عالم لا يعرف معنى الكلمة. فكلهم قالوا: إن ما نعيشه ليست حياة. فأين هي الحياة إذن؟ | . (رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والديَّ، وأن أعمل صالحاً). ويا الله، إني لا أسألك حملاً خفيفاً. بل ظهراً قوياً، كي أعيشَ حياتي كما ينبغي بكامل قلبي وجنوني، توغلت أكثر في عهد الأربعينات، يوم أمس. هم يقولون: إنها سنوات فصل (فمن طبّع طبّع)، فمن لم يثمِّر فيها فسيبقى (بوراً)، لن ينتج سنبلة واحدة. ويهمس صديقٌ سبقني في الحب: خُذْ بالك، لربما يعود الأربعيني ليسمع أغنية (زي الهوى) أربعين مرة، في كل نوبة حب | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |