نار لا تُطفأ 

 

يستخدم الماء لإطفاء النيران اعتماداً على مبدأ (الخنق). فعندما يرش على جسم ملتهب يأخذ كمية من حرارته، ويتحول إلى غيوم كثيفة، تمنع وصول الأكسجين، فتختنق النار كجسد انسلت منه جذوة الروح. وهذا تكتيك لا يجدي نفعا مع الشعوب التي أوقدت نيران حريتها، بعدما جاشت قدور الصدور؟.

وأحيانا أخرى يستخدم البارود لإطفاء النيران، بعد أن يضاف إلى الماء بشكل مسحوق بودرة، بكميات قليلة لزيادة قوة الإطفاء. فعندما ترش المياه على الجسم المشتعل، فإن البارود المذاب يحترق مولداً المزيد من الحرارة العالية، التي بدورها تنتج سحب بخار كثيفة، تزايد فرص خنق النار بسرعة كبيرة. وهذا التكتيك لا ينفع في إطفاء ثورات الشعوب، أو كبت جذوة إرادتها.

هناك مثلث شهير في علم الإطفاء، لا بد من توفر جميع أضلاعه لإشعال أية نار: لا بد من وجود مادة تحترق مع توفر الأكسجين ليمد النار بالحياة، ولا بد من وصول الجسم إلى حرارة مناسبة، تسمى عتبة الاحتراق. ومن حسن حظ الشعوب التائقة للحرية، أن كل ضلع تكسرت تحت بساطير العسكر تصلح حطباً لثورة لا تخمد.

نار التحرر السوري التي أطلق شرارتها أطفال درعا، قبل أزيد من سنتين، عندما خطوا بالفحم والطبشور بعض أحلامهم البسيطة على جدران مدرستهم، هذه الأحلام كان في البال أن يواجهها رئيسهم بالإصغاء والقبول، لكنه جابههم بنيران وشبيحة ودبابات، ولم يستوعب أن يقال له: لا.

ولم يعرف أن هذه النار لا تحتاج لتوافر ثلاثة أضلاع لإتمام إشتعالها، بل تكفيها ضلع مكسورة بقفص الصدر تسعر لهيبها، أو أظافر مخلوعة من أياد أطفال تجرأوا على كتابة أحلامهم. ولم يعرف أيضا أن نار الحرية لا يقيدها قيد، ولا يخنقها شرط ولا تقمع: إنها مارد خرج من قمقمه، فكيف يعود؟.

الآن وبعد ما يقرب المئة ألف شهيد، وملايين المشردين، واللاجئين، ودمار سوريا وبنيتها، وبعد أن ركب موجتها كل راكب، لا يزال الطاغية يرى أن الشعب السوري لا يستحق الحياة، ولا يستحق الحرية، ولا يستحق أن يعتذر عن شخص ربما قتل خطأ ببرميل بارود هوى من طائراته أو بصاروخ سكود.

ينسى الطغاة أن نار الحرية، إذا أوقدت لا يقدر عليها ماء، أو بارود، أو بلطجة شبيحة، وأن الشرارة التي اندلعت من درعا وتفاقمت في حماة، واشتاطت في حمص وحلب، لن يطفئها سحب ضلع أو ضلعين أو ثلاثة، أو كسر كل اضلاع التواقين للحرية والكرامة. هي نار أخرى لا تطفأ. فهل جاءك نبأ القلوب، حين تمتشق نيرانها؟.

بقلم رمزي الغزوي

المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية