حرير الأصابع 

 

عندما كانت تضبطني أمي متلبساً بمصِّ بقايا فناجين القهوة ولعقها، كانت بأصابعها تمسح عن خاتم فمي الشاربين الزائفين، ثم تنهال عليّ بالقبلات والضحكات، وتدعو لي أن أكبر، وتكبر همتي وتطاول قامتي السحاب؛ وأن أصير رجلاً بشاربين حقيقيين، يقف عليهما الصقر. وها نحن كبرنا يا أماه ولاكتنا الأيام ومصتنا، فلماذا أثقلتنا هذه الشوارب؟؟، ولماذا كلما أتعبنا هذا العمر الزائف؛ وددنا لو أن شواربنا من بقايا القهوة؛ فعسانا نمسحهما؛ ونعود صغاراً يلوذون بفنجان القهوة وتفله اللذيذ؟.

هو يوم آخر يا أمي، إذ نلهث وراء جنة من سلسبيل تحت ظل قدميك، اللتين أكلهما التعب وشققهما المسير في وعر الدروب لأجلنا. نحن معك وبك ولك، لا نقطع عنَّا حبل السّرة أبداً، فلا تدوري أيتها الأرض؛ ولا تشيخي أيتها الشمس، كي لا يطول فينا الشوك ويقسو، وكي لا يذبل فينا الزهر ويشيخ عبقه: فدعيني أمي أبقَ صغيراً: صغيراً يبحث عن أصابع من حرير، تتغلغل في شعري كمشط حنون، فتسبل أحلامي النافرة من نافذة العمر.

ماذا دهاك ايها الولد الأربعيني؟، أبعدما صرت أباً تودّ لو تأخذك أمك برأسك المخطط برماد العمر وغباره وصحاراه، وتدفنه في حجرها وعطرها وتهدهدك، وتغني لك بشجي صوتها، وتعدك بطير حمام سمين، تذبحه لك على عتبات ذلك النوم؛ فينام الحمام المسكين، ووحدك تطير بناعم الريش على جناح الأحلام أيها الولد الكبير.

أم تراك تعيد دوزنة صورتك القديمة، وتجترها كل حين وكلما لكمتك الأيام، تتذكر نفسك إذ تعود من المدرسة متحمحماً للعب والشيطنة، فترمي بكتبك القبيحة من شق باب الحوش، وتطير للحارة والأشقياء، ومساءً حين تعود ملطخاً بالطين والخطايا، أشعث مثل قطّ الولائم، تنتظر بفارغ الخوف عقاباً لا يؤلم إلاَّ ألماً طرياً، فتنزل عليك زخة الصفعات كمطر خفيف؛ فتتباكى بمطر غزير؛ ثم لتضمك أمك إلى صدرها نائماً على وقع خفقات قلبها الكبير.

هذا يوم آخر يا أمي، لا يعنينا من قريب وبعيد، ولا تعنيني هدية مطبخية، أو حفلة مصطنعة، أو هيزعيات إعلانية. بل نحن نلهث وراء جنة من سلسبيل وحرير تحت قدميك كل يوم وكل ساعة وكل لحظة: فيا الله، امنحني رأساً مرفوعاً وشامخاً، وجناحاً لا ينخفض إلا لأمي وأبي ذلاً ورحمة.

فلأجل أمي بعيدها المتجدد الدائم، وردة لكل الأمهات اللواتي جعلن كوكب الأرض عالماً قابلاً للحياة والحب.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية