قبل بدء الحرب على العراق كتب محمد الجاسم افتتاحية مجلة (نيوزويك/ النسخة العربية) متوقعا أن يؤدي احتلال العراق ونهاية حقبة البعث وحكم صدام إلى "صدمة" حقيقية للشعوب العربية تدفعها إلى الواقعية السياسية والابتعاد عن "دكاكين الخيال السياسي" التي سادت في المراحل السابقة. كما توقع أن يكون المشروع الأميركي مهمازا لعودة اهتمام الإنسان العربي بالشأن الداخلي وقضايا الإصلاح والفساد والتنمية ومواجهة الحكومات المستبدة التي طالما تذرعت في العقود السابقة بالقضية الفلسطينية والصراع مع الإمبريالية والوحدة العربية لتأجيل استحقاق الديمقراطية ولتبرير ممارساتها القمعية بحق شعوبها واتخام سجونها بالمعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي المخالفين لمشيئة الحاكم بأمره!
لم يكن تفاؤل الجاسم بالمشروع الأميركي، أو بعبارة أدق الاحتلال والهمينة، بمحله. فقد أجّج هذا الاحتلال الغضب العربي وزاد من حدة الاهتمام الشعبي (العربي- الإسلامي) بالقضايا القومية والإسلامية، ولم يكن الاحتلال وممارساته أفضل حالا من الدكتاتورية العربية التي جاء العم السام، زعما، ليخلص شعوبنا منها، فارتكب من الجرائم والفظائع في شهور قليلة ما لم ترتكبه هذه النظم التسلطية في عقود.
إلاّ أن شقّا من نبوءة الجاسم صحيح تماما. فأحد أهم الدروس العربية من ليلة "سقوط بغداد"، هو أن النظم الفاسدة التسلطية هي أبعد ما تكون عن تحقيق طموح الشعوب سواء بالعدالة والتنمية في الداخل أو مواجهة إسرائيل والأطماع الخارجية. وأنّ هذه النظم هي أشبه بـ"بيت العنكبوت"، سرعان ما ينهار بسبب العفن الذي ينخره من الداخل، مهما كانت درجة تسليح الجيش وإعداده ومستوى التصنيع العسكري وقدراته.
بالتأكيد لا يمكن تجاهل دور الولايات المتحدة والمشروع الصهيوني في ضرب محاولات النهضة والتنمية وبناء القوة العربية، وفي العمل دوما على حماية مصالحهم على حساب مصالح الشعوب العربية وأمنها. لكن مواجهة التحدي الخارجي لا يمكن أن تتم بمعزل عن مواجهة التحدي الداخلي. فمعركة التنمية والحرية والعدالة والدفاع عن حقوق الإنسان السياسية ومحاربة الفساد السياسي والإداري والاقتصادي الذي ينهش في ثروات الشعوب العربية تحديات تمثل مقدمة أساسية وشروطا رئيسة لتحقيق الطموحات العربية المعلقة من قرون، فقبل معركة تحرير الأرض هناك معركة تحرير الإنسان العربي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أمّا تأجيل المعركة الداخلية بذرائع الخارج المتربص الطامع، فهي الذريعة التي سقطت نهائيا مع احتلال بغداد، بعد أن كانت هزتها الحقيقية مع هزيمة الـ67.
فاحتلال بغداد، من وجهة أخرى، هو تاريخ لدخول الشعوب العربية عصر الواقعية السياسية، لكنها الواقعية النضالية وليست واقعية الاستسلام والتراخي والقبول بالهيمنة والاحتلال. فالشعوب العربية اليوم تسير في "طريق مزدوج" في مقاومة الاحتلال في العراق وفلسطين من ناحية، وفي مطالبها بالإصلاح السياسي والحياة الديمقراطية من ناحية أخرى. وأصبحت كثير من الحركات السياسية العربية ترى أن مطالبها بالإصلاح ومحاربة الفساد والعدالة والتنمية والحرية لا تتناقض مع مواقفها من الهيمنة والاحتلال، بل هي مواقف متكاملة متساندة في اتجاهها العام.
الملاحظة السابقة يلتقطها المفكر العربي السوري برهان غليون في مقاله "وفاء الجولان ورهانات سورية" (في صحيفة الاتحاد 1آذار2006) من خلال رسالة بعث بها أحد المعتقلين السوريين في سجون الاحتلال الإسرائيلي في الجولان إلى زملائه، يقول فيها " كنا دوما حذرين في طرح مواقفنا وآرائنا تجاه ما يجري في الوطن، من تغييب للحريات والديمقراطية والفساد وتغييب المواطن ومفهوم المواطنة. لكننا أدركنا عمق الصلة والارتباط بين فقداننا حريتنا داخل الأسر وفقدان المواطن حريته في الشام وعالمنا العربي عموما. نحن نرى في هذه الأوطان سجونا ليست أقل من سجننا، فإذا كان سجننا المادي والاحتلال في الجولان قسم العزل في هذا السجن الكبير، فإن أوطاننا العربية هي سجون تقتل كل إمكانية تحررنا من هذا العزل عن الوطن الأم". والغريب أن المعتقل صاحب هذه الرسالة، كما يذكر غليون، لا يتجاوز العشرين من عمره، لكنه يختزن في تلك السطور القليلة أحد أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من خبرة العقود العربية في مقاربات التحرر والنضال.
في السياق نفسه، لا يعني قبول حركة حماس بالهدنة أو تخليها عن المقاومة المسلحة، أو اندماج العرب السنة في العملية السياسية تخليا عن برنامج المقاومة والنضال السياسي ضد الاحتلال والهيمنة، لكنه يعني إدراك شروط الواقعية السياسية المبنية على قراءة صحيحة لموازين القوى السياسية والعسكرية وإدارة الصراع وتحديد مساحاته وأزمنته وخياراته. ويكفي النظر اليوم في تجربة اليابان التي خسرت الحرب العسكرية مع أميركا قبل عقود فنقلت معركتها إلى "المعمل" لتعود في فترة قياسية لتصبح قوة عالمية اقتصادية حقيقية، بينما ما تزال الشعوب والدول العربية في ذيل العالم اقتصاديا وعلى قائمة الديمقراطية وفي مجالات التنمية، على الرغم مما تمتلكه من إمكانيات طبيعية وثروات بشرية وخبرة تاريخية ورسالة إنسانية.
سيقول بعضهم إن لكل تجربة شروطها الموضوعية والذاتية؛ هذا صحيح، لكن الصحيح أيضا أننا يجب أن نتعلم من دروس الماضي لتصحيح شروط النضال واتجاهاته في المستقبل، كي لا نبقى ندور في حلقة مفرغة!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيف محمد ابو رمان جريدة الغد