الفن مرآة حضارة اي شعب، هكذا يقولون، لكنه ايضاً صوت حقيقي من اصوات الناس، وصدى لمشكلاتهم وهمومهم، تماماً مثلما هو الاعلام. فالاعلامي، او الوسيلة الاعلامية، لا تكتسب حضوراً لانها تشتم شارون، او تعالج قضايا اوكرانيا والصرب، بل هي تكتسب ذلك عندما تكون اداة لخدمة قضايا الناس، وتعبيراً عنهم.
لدينا في الاردن نماذج لفن اردني ناقد، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، وربما بحكم اهتماماتي الفنية المتواضعة لا يمكنني حصرها، لكنني سأتوقف عند مثال، مع قناعتي بأنه ليس الوحيد، لكنه في حدود متابعتي، وهو أنموذج العمل التلفزيوني "لا تجيبوا سيرة".
والقيمة الحقيقية لهذا الأنموذج الذي يقوده الفنان الاردني الصادق موسى حجازين، وكاتب النص والمخرج محمد الشواقفة، انه يتحدث في القضايا التي يتحدث بها الناس في بيوتهم، او في الجامع والبلدية، كما في تعاليل الافراح والعزاء؛ انه يتحدث بلغة اردنية مباشرة عن مواقف الناس وقناعاتها من الحكومات والادارة والوضع الاقتصادي والنواب، وطريقة تشكيل الحكومات، وغيرها من القضايا. ولمن لا يعرف الاردنيين المتناثرين في قراهم ومدنهم، فإن هؤلاء لديهم قدرة كبيرة على النقد الساخر المباشر، وبسقف عال تعجز عنه صالونات عمان او مقرات الاحزاب واعمدة الصحف؛ وهو اسلوب في النقد لا يستفز المستمع، بل يضحكه كثيراً، رغم انه قد يصل في الحديث الى سقف عالٍ.
لكن النقد الذي يجسده "لا تجيبوا سيرة"، وايضاً العمل الجديد "هيك ومش هيك"، انه ينطلق من مخزون استراتيجي كبير من الانتماء والارتباط بالارض والدولة، لكنه ارتباط لا يقاس بالخطابات والانشاء او المطامع. فكل هؤلاء طموحهم ان تزيد الحكومة الراتب عشرة دنانير، او ان يكرمهم الله بموسم مطري جيد، او ان يجد لابنه وظيفة برتبة وراتب اردني وليس مديرا او وزيرا.
والحقيقة التي قد لا يعلمها البعض هي ان الناس يعرفون كل شيء، ويناقشون كل الامور من اصغرها الى اكبرها، ولديهم قدرة على تمييز الصادق من غيره؛ مسيسون لكن بلهجة بسيطة، وكل شيء امامهم خاضع للنقاش دون حسابات بخلاف اهل السياسة والمال والطامعين بالعودة الى المواقع او الخائفين من مغادرتها.
والفن الساخر الناقد احد اشكال قياس حرية التعبير وسقف الحريات في اي دولة. فالبعض يعتقد، وربما يريد ان يفهم الحريات على انها حقوق الاحزاب في المسيرات والتظاهرات فقط، لكن الحقوق الأكثر تأثيراً تلك المتمثلة في الفن والاعلام، فهما الأكثر وصولاً وتأثيراً في الناس. وحين يشاهد الناس عملاً لموسى حجازين، مثلاً، ينتقد طريقة تشكيل الحكومات، ويصور وزيراً -هو سائقه- وهو غلام صغير، وكيف جاء هذا "الولد" الى موقعه، وكيف غادره، فإن هذا اكثر تأثيراً من بيان لحزب لا يقرأه بعد كاتبه سوى نفر قليل، او مسيرة لا يحضرها الا جزء من قادتها وبعض المتحمسين!
واذا كنا نتحدث عن تنمية سياسية شاملة حقيقية، فإن دعم الحركة الفنية الوطنية الساخرة والناقدة جزء مهم من بناء هذه التنمية؛ فالناس لا يريدون فناً كله حب وزواج وقتل وتهريب وقصص مكررة. وحتى ذلك الفن الأردني البدوي، كان في جزء منه سطحياً؛ فقصص المسلسلات البدوية كلها غرام على عين الماء، وقتال من اجل التنافس على الزواج من ابنة شيخ، واخيراً يتزوج الرجل الطيب ممن اراد وتطلق النيران!
من واجبنا إزجاء التحية إلى حجازين ورفاقه، وحسن السبايلة ورفاقه، وكل عمل ناقد جاد يعبر عن الناس ومشكلاتهم. والتحية لمن أعطى لهذه التجارب فرصتها في الظهور، ونتمنى ان نشهد تعميقاً لهذه التجارب ضمن سياق مفهومنا لتنمية سياسية حقيقية، تتجاوز احزاباً كثر عددها وقلت افعالها، الى فعل سياسي في كل مجال ومن كل هيئة، لكنه يحترم الناس وحاجاتهم ويمثلهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة