مرض غريب يثير الريبة والشكوك، او ربما مصدر قوته خوف الناس منه وليس تأثيره. فالحالات البشرية التي توفيت خلال بضع سنوات لم تتجاوز (100) حالة وفاة، بينما امراض اخرى اقل شهرة مثل الايدز تفتك يوميا بالمئات والآلاف في انحاء العالم، والسرطان او (هذاك المرض) يقتل ويفتك بالبشر كل يوم، لكن هذا المرض الطائر يبعث الرعب في اوصال العالم.
بعضهم ينظر اليه بعقلية المؤامرة، وانه مرض تقوده قوة في العالم لاغراض تجارية وربما سياسية، ولهذا فهو ينتقل برشاقة بين الدول، يظهر في دولة ويعلن عن بعض الحالات ثم يتضاءل حضوره في تلك الدولة لينتقل الى دولة اخرى، يشبه المافيا وربما الحركة الماسونية، يتغلغل في كل انحاء العالم ولا يترك شعباً من اثاره، بعض الناس يعتبره مرضاً وهمياً، اي مفتعلاً، وليس اكثر من فيروس يتم نقله من بلد الى اخر.
الضحية الاولى لهذا المرض هو قطاع الزراعة، ونتحدث هنا عن الاردن حيث بدأ المرض في بعض دجاجات عجلون، وكما حدث في كل الدول فإن تربية الدواجن كقطاع اقتصادي هي المتضرر الاول، خسائرها كبيرة لان المواطن سيأخذ موقفاً رافضاً للتطبيع مع الدجاج الى اجل غير محدود، ورغم قناعته - كما يسمع ويقرأ- بأن الدجاج المطبوخ ليس فيه ضرر، الا ان المواطن ليس مضطراً للمغامرة، ولهذا سيهاجر ما امكنه الى اللحم البلدي المستعر ناراً في سعره، او الى اللحوم المستوردة او المجمدة التي تعيش في الثلج منذ سنوات، لكنها مقاطعة للدجاج اقوى من مقاطعة المنتجات الدنماركية!
الضرر الكبير الذي لحق بقطاع الدواجن اشبه بأضرار الكوارث من فيضانات وزلازل ما يستدعي ان يتم البحث عن آليات ووسائل لانقاذ هذا القطاع سواء كانوا اصحاب مزارع او عاملين، فهذا القطاع جزء من القطاع الزراعي الذي لا تنقصه المشكلات، وتعجز الاستراتيجيات والخطط عن وضعه على طريق سليم، وتحقيق ما تحدثت عنه الحكومة السابقة في بيانها الوزاري من اعادة الاعتبار للقطاع الزراعي كأحد عناصر الحياة الاقتصادية والاجتماعية. وأد الدجاج عملية وقائية ضرورية لتطويق المرض، لكن نتمنى ان لا يؤدي هذا المرض الى وأد قطاع الدواجن وإلحاق ضربة قاسية بحقه، فهؤلاء اردنيون عاشوا ويعيشون على مواردهم من هذا القطاع.
ضحايا الانفلونزا ليسوا بشراً او دواجن فقط، بل ممارسات اجتماعية، فقد يختفي الى حين منسف الدجاج، ومقلوبة الدجاج، والملوخية والمسخن والصينية بالفرن والشاورما. وقد تختفي من اسواقنا ماكينة شوي الدجاج المتناثرة على الرصيف على ابواب المطاعم، وقد نستبدل دجاجة الجمعة بسمكة الجمعة، او كيلو اللحم المتعدد الجنسيات من نيوزيلندا ورومانيا والسودان وغيرها من الدول الصديقة والشقيقة، ومن لا يملك القدرة على استبدال الدجاج باللحم فلا مانع من (المقلوبة الكذابة) حيث تشعر الزهرة او الباذنجان او الفول الأخضر بالسيادة داخل الطنجرة لا تشاركها قطع الدجاج الذي اصبح مطارداً كالتنظيمات الخارجة عن القانون.
لم يعد الحمام رمزاً للسلام، ولا الدجاج في بيوت القرى رمزاً للامان الغذائي، ولا وصف الرجل لزوجته بأنها (بطة) غزلاً بل شتيمة واطالة لسان يعاقب عليها القانون، ولهذا فضحايا هذا المرض مفاهيم وعلاقات واقتصاد وعائلات، لكن الأهم ان يلقى القطاع الزراعي الخاص بالدواجن عناية ومحاولة جادة لانقاذه من مرض عابر للحدود، ولعله من الامراض التي تمثل العولمة بأحد أشكالها الرديئة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة