أمنيات الذهب

 

دعونا من البريق الآسر للمعدن الأصفر، الذي تتهاوى أسعاره هذه الأيام، بعد شياط وشياط وغلو، لنصغي بأذنين كبيرتين، إلى ما توشوش به شجيرات القصب المياسة حول خاصرة النهر. انصتوا بعمق، فلربما نسمع همساً قائلاً: (لميداس) أذنا حمار.

وميداس هذا، هو إمبراطور شرير، ببطن كالمقبرة، لا يشبع ولا يقنع، كل ما يحبه في هذا العالم هو الذهب، ولا شيء غيره، ورغم حيازته للكثير منه في مخازنه، إلا أنه لا يستمري فكرة أن غيره يمتلك ذهباً.

ولهذا سخط على أمنا الشمس؛ فهي مبذرة أكثر مما ينبغي، فهي تمنح أشعتها الذهبية المجانية كل صباح، لكل الناس، ولا تفرق بين غني وفقير، أنه يستخف فكرة أن يحصل الفقراء حتى على أشعة الشمس.

وحسب الأسطورة الإغريقية، فقد قررت الأسياد، أن توقع بميداس عقوبة يستحقها، فمنحته أمنية يتمناها، فتمنى بالطبع، أن يتحول كل شيء يلمسه بيده إلى ذهب خالص، وكان له ما أراد.

في الحديقة، فرح ميداس بعد أن حاول لمس الوردة الجورية الحمراء، فتحولت إلى ذهب يلمع، وبسرعة راح يلمس أكبر عدد من الورود وجذوع الأشجار، والمقاعد الرخامية، وبعض التراب، وكلها صارت ذهباً يتلألأ بين يديه.

وغير بعيد كانت طفلته الجميلة الوحيدة تلهو، فلما رأته مقبلاً هرعت إليه، ففرد ذراعيه لاحتضانها؛ فتحولت في لمحة عين إلى تمثال ذهبي. عندها بكى بكاءً مراً، والدموع لا تشفع دائماً.

هصره الجوع، فأخذ كسرة خبز، فتحولت إلى ذهب فسحب اللقمة ورماها بحسرة، وهكذا كانت حاله مع التفاح، والخوخ، فكل شيء كان يمسه يتحول إلى ذهب.

طلب ميداس الصفح، لكن الآسياد لم يغفروا له، إلا بعد أن منحوه أذني حمار طويلتين، جزاءً لأمنيته الغبية. ولم يعلم أحد بأمر أذني ميداس، إلا الحلاق الذي يعرف، أن البوح بالسر يكلفه حياته.

وكعادة الحلاقين، لم يصبر حلاقنا على سره، فباح به إلى شجيرات القصب على خاصرة النهر، ولكن الريح الفضاحة هزّت القصب، فتمايل وباح بالسر هامساً. ألا تسمعون القصب يقول: لميدااااااس أذنا حمار، لميداس أذنا حمار؟.

وسيبقى ما دامت الهمسة والحياة، أن اللاهثين بجنون وراء الذهب، سيفتقدون معنى أن تحضن طفلتك بحرارة وهصر، وقُبلٍ هامسة في صيوان الأذنين، أو أن تداعب بموسيقى أصابعك وردة جورية، غافلها الندى، أو أن تأكل كسرة خبزة دون أن تشرق بريقك الذهبي. هي أشياء لا تشترى، ولا تبدل بذهب.

وسيبقى أيضاً، أن الشمس ستبوح لنا بذهبها البهي الشجي، رغم جشع الأباطرة ومن ماثلهم. وطابت أمنياتكم النقية.

 بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية