وردة لعمالنا 

 

حين كنا نعطل عن الدراسة ابتهاجاً وكسلاً بعيد العمال، كان يدهشنا ويحزننا رجال (الباطون) الغارقون بعنائهم وعرقهم ولهاثهم، إذ يتسلقون السقايل والجدران والأعمدة، بثيابهم الملطخة رملاً وإسمنتاً، وأحذيتهم البلاستيكية المتشققة، وأكتافهم المائلة تحت وطأة حملهم الثقيل؛ فنستهجن ما نرى ونشعر بالألم: هؤلاء العمال المساكين، لماذا لم يعطلوا مثلنا في يوم عيدهم. أليسوا عمالاً؟، ألا يخصهم هذا العيد باستراحة يوم وحيد؟.

لم ترق لي فكرة ترحيل عيد العمال إلى يوم غد الخميس، لتدمج العطلة وتصبح ثلاثة أيام متتالية، لا يستفيد منها إلا المترفون، والذين يخططون لقضاء إجازة في شرم الشيخ أو اسطنبول. أي إنها عطلة برجوازية.

وفكرة عيد العمال بدأت عندما أعلن عمال شيكاغو إضراباً شاملاً في 1886م، مطالبين بتحديد ساعات عملهم بثماني ساعات فقط، وطامحين بأجور أكثر، ومعاملة احسن، وصدف أن كان بداية إضرابهم في الأول من أيار، ولأن الحركة العمالية قد أتت أكلها وثمارها، فقد صار تاريخ بدايتها عيداً عالمياً لعمال العالم.

الفيلسوف اليوناني أرسطو، كان يدّعي بأن العبيد لا تخصهم الأخلاق والآداب والمبادئ والقيم، إذ عليهم أن يقدموا مجهودهم البدني والعضلي لأسيادهم الراتعين في كسلهم وترفهم ورفاهيتهم ونعيمهم، فهل عطلة عيد العمال أيضاً، لا تخص العمال بالراحة، تمشياً ومواكبة مع ارسطو وفلسفته، أو أن لقمة الخبز صارت غالية وعزيزة على من لا يأكلون طعامهم إلا مخضباً بعرق جباههم وكدهم؟؟.

عالم اليوم صار بغيضاً ومقيتا وجشعاً لحد كبير ومثير، فأكثر من نصف ثروات الأرض تتركز بيد عدد قليل من البشر، لا يتجاوزون الخمسمائة إنسان: إنه بالطبع عالم متغول، لا يزداد فيه الأغنياء إلا جشعاً، والفقراء لا يزدادون إلا سحقاً.

في عيد العمال نشعر أن ثمة آخرين يطحنون الصخر خبزاً، ويقطرون الملح ماء، ويوصلون الليل بالنهار بعنائهم وكدهم، وآخرين يجبلون الأرض ويروونها بعرق جباههم المتغضنة، وثمة آخرون يلاحقون ظلهم في وهج الشمس اللافحة، من أجل لقمة عيش عزت؟؟.

الهدف من الاحتفال بعيد العمال أن نلتفت إليهم، ونأخذ بيدهم، ونتلمس أوجاعهم ونشد من عضدهم. لكن سنسأل أيضا ببراءة: من هو هذا العامل؟، هل هو الأب، الذي يستف التراب لأجل أبنائه؟، أو الأم الحانية الحادبة؟، التي تجعد وجهها لطول السهر على رعايتهم؟، أو المعلم الذي أكلت الطباشير نضارة أصابعه، وانحنت قامته، وما انحنت همته؟. أو عامل المصنع الذي ينهكه العمل الطويل، وجور صاحب المصنع، أو عامل البناء المزروع تحت الشمس؟. ربما لكل هؤلاء العمال سنجدد محبتنا وتقديرنا: فوردة لعمالنا الحقيقيين، وعاشت أياديكم البيضاء.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية