الحكومة، وعلى لسان رئيس الوزراء، تعلن انها ستضرب بيد من حديد على كل من يحاول استغلال السوق لرفع الاسعار على الناس دون وجه حق، واغتنام فرصة رفع اسعار المشتقات النفطية لإحداث حالة غلاء وارتفاع في أسعار كثير من المواد الاساسية والخدمات.
هذا التحذير الحكومي امر ايجابي. وحديث الحكومة عن تشكيل لجنة رسمية لمراقبة السوق وتلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها خطوة في الاتجاه السليم، لان الاردنيين يعانون مع كل مرحلة رفع لاسعار المشتقات النفطية من عمليات ارتفاع في كثير من المواد والسلع والخدمات، وكأن التجار والقطاع الخاص يرون أن لهم حقا في تعميم الغلاء.
لكن تهديد الحكومة للمستغلين بالضرب بيد من حديد يجب ان يترجم الى وقائع وقرارات واجراءات دائمة، واذا احتاج الامر الى تطوير تشريعات. فالناس بحاجة الى من يحميهم من مراكز القوى في السوق واصحاب رأس المال. وهنا لا اتحدث عن صغار التجار واصحاب البقالات، بل عن اصحاب مفاتيح السوق، ومن بيدهم الاستيراد والتوزيع. فعندما يقوم هؤلاء أو بعضهم برفع الاسعار، تنتقل العدوى من الكبار والصغار حتى تصل الى بائع العربة وتجار البسطات. ولهذا، فان اليد من حديد يجب ان تسبقها عملية تشخيص لمصادر الاستغلال والتضييق على السوق، الامر الذي يمكّن يد الحكومة من أن تصل الى اصل المشكلة وليس جزئيتها.
وعلى الحكومة ايضا ان تراجع سلطاتها على السوق، وهل تملك ان تضرب بيد من حديد على المستغلين، ام ان التشريعات والنظم القائمة وغياب وزارة التموين يجعل من يد الحكومة غير حديدية، ولا تعطيها احيانا الا صلاحية توجيه النداءات والمواعظ لاصحاب القرار في السوق.
وحتى ندخل في الواقع، فان ما حدث في سوق الاسمنت مؤخرا، والارتفاع الكبير في الاسعار مع ما تبعه من ارتفاعات في أسعار مواد بناء اخرى، يجعلنا نطالب الحكومة بأن تقدم للمواطن تطمينات عملية بان تحذيراتها للمستغلين حقيقية وممكن’ الحدوث. اما اذا كان المقصود هو التعبير عن تضامن الحكومة مع الاردنيين، والتعاطف مع حقهم في الحياة الكريمة، فهذا امر من السهل اكتشافه؛ لانه في اللحظة التي ستقرر فيها الحكومة رفع اسعار المشتقات النفطية سيمارس المستغلون هواياتهم، وسيعملون على جني الارباح، وممارسة الاحتكار والتلاعب بحضور المواد في السوق، وعندها ستكون الحاجة الحقيقية ليد الحكومة الحديدية لحماية الاردنيين، وضمان عدم تحولهم الى بئر نفطية موسمية لكبار السوق.
من حق الناس ان تبقى متوجسة، لان حكومات سابقة مارست التحذير من الاستغلال ورفع الاسعار، لكنها لم تفعل شيئا لحماية المواطنين، ربما لعجز التشريعات وضعف الصلاحيات، او لان المطلوب كان تمرير القرارات بغض النظر عن تداعياتها الاخرى.
رفع اسعار المشتقات النفطية او تحريرها، ورفع الدعم الحكومي عنها، امر اصبح مفهوما، ونجد في الناس من يقدر ظرف الحكومة والوضع الاقتصادي العام، او الالتزامات الدولية، لكن ما لا يمكن قبوله هو ان تكون هذه المواسم فرصة لتضخم ثروات فئات من التجار. ومن حق الاردني على حكومته ان يجد منها الحماية من اي استغلال؛ فما يدفعه الناس فاتورة اضافية نتيجة الاستغلال يفوق كثيرا الاستحقاق المباشر لرفع اسعار المشتقات النفطية.
ننتظر اليد الحديدية للحكومة للدفاع عن الناس، ونتمنى ان لا تتكرر تجاربنا مع حكومات سابقة اكتفت بالنداءات التي لم تردع اي مستغل.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة