وزارة التنمية السياسية ما تزال تحتفظ بالوصف القائل انها وزارة تائهة، وهنا لا نتحدث عن الأشخاص الذين تولوا الموقع وآخرهم د. صبري اربيحات، فكل منهم حاول ان يعبر بطريقته وجده وخبرته عن دور الوزارة. فمن أخذ الموقع بجدية تفوق الواقع وذهب إلى حدود الخيال السياسي الى آخره حاول الاستفادة من تجربة سلفه ولجأ الى شبه صمت وعوض هذا بمشروع قانون للأحزاب داهمته الاعتراضات، ومن ثم وزير كان واقعيا جدا إلى درجة ان الوزارة اختفت وأصبحت مبنى وكادراً. واليوم نعيش عهد وزير جديد يحاول القول إنّ الوزارة ذات دور حقيقي وفاعل، لكنه يلجأ كثيرا الى الندوات والمحاضرات والمخيمات الشبابية، وربما يرى فيه البعض تكرارا لتجربة احد من سبقوه، إنّها تجربة أصبح فيها الموقع يستحق وصف "محاضر برتبة وزير".
وحتى القوانين السياسية فإنّ مرجعيتها تتراوح بين الداخلية والرئاسة، والأحزاب ما تزال من رعاية وزارة الداخلية إداريا، أما قانون الانتخابات فهو خارج صلاحيات وإمكانيات وزارة التنمية.
نعود مرة أخرى لنقول إنّها وزارة، في حدها الأقصى، مبادرة حسن نية من الحكومات للتعبير عن اهتمام بالتنمية السياسية، لكنها جزء من تجربتنا نحن الأردنيين مع وزارات كان يجري اختيارها وتعيين وزراء وأمناء عامين لها قبل ان يتم الاتفاق على وصفها الوظيفي ودورها. وعندما يأتي اليها الوزير يمارس اجتهادا في تحديد دور وزارته الجديدة ومهماتها، فيصيب احيانا ويخطئ احيانا كثيرة، وعندما لا يجد له عملاً محددا، او عندما يكتشف انه مارس خيالا وقفزا عن الواقع، فإمّا أن يصاب بالاحباط، او يملأ أوقات فراغه في نشاطات لا تستحق وزيرا متفرغا، او تعاقبه التغييرات فيعود إلى صفوف الجماهير يتحدث عن تجربة مريرة.
الفكرة الأساسية في وجود أي وزارة أنّها تمثل المرجعية لقطاع من القطاعات، وكما ان الحكومة صاحبة الولاية العامة على شؤون الدولة فإنّ كل وزارة تمثل ايضا صاحبة الولاية العامة على الملف الذي تحمله. أمّا أن توجد وزارات، بلا وصف دقيق وواضح، فهذا أمر يعبر عن منهجية غير سليمة.
حديثنا لا يعني المطالبة بإلغاء وزارة التنمية السياسية، بل اخراجها من حيز الاجتهاد الشخصي لمن يتولاها، وانهاء حالة "التوهان" الذي تعاني منه الوزارة. فالحديث عن تنمية سياسية شاملة، واللقاءات مع الفعاليات الشبابية والنسائية والقاء المحاضرات والمشاركة في ورش العمل والندوات ليس هو جوهر عمل وزارة التنمية السياسية، وإن كان بعضا من عملها، فإن لم يكن هناك تصور حقيقي فلا ضرورة لكثافة الوزارات، تماما مثلما جاءت حكومات سابقة بوزارات شكلية مثل مراقبة الأداء الحكومي ثم تمّ الاستغناء عنها، وهذا يعيدنا إلى جوهر الأمر وهو أن بعض الحكومات تخترع الوزارة ثم تبحث لها عن أعمال ومهمات وقد تفلح وربما لا تنجح، وكل هذا يعني تكلفة إدارية وسياسية ومالية.
أخيرا، فإنّ مشكلة الوزارة ليست بشكل أساسي في أشخاص الوزراء، وان كان بعضهم بعيدا عن مجال التنمية السياسية، لكنها مشكلة صلاحيات ومضمون وتصور ذهني لدورها كان يجب أن يسبق ظهورها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة