قبل عدة سنوات أشار أحد المطلعين إلى ظاهرة يمارسها بعض السياسيين والوجهاء الذين يلتقون جلالة الملك وتتمثل في ممارسة اقصى مراحل الجدية في الحديث عن قضاياهم الخاصة ومطالبهم سواء في وظيفة او مال او بعثة دراسية، ويهدرون الفرص في تناول القضايا العامة، او تقديم رأي ووجهة نظر او تشخيص للوضع القائم. وبعض هؤلاء يحملون صفات تمثيلية لقطاعات من المجتمع الاردني، ويفترض أنّ إخلاصهم وانتماءهم يفرض عليهم الحديث بصراحة ووضوح وتقديم وجهة نظر صادقة لصاحب القرار.
واحيانا يشاهد الناس في وسائل الإعلام اجزاء من لقاءات فعاليات ووجهاء مع جلالة الملك، ويسمعون من بعض الحضور قصائد ومجاملات ومدائح للحكومات والأوضاع العامة. صحيح أنّ الجلوس في حضرة الملك له آدابه وبروتوكولاته، لكن الملك عندما يلتقي بأي سياسي او وجيه او نائب او اي مجموعة تمثل مدينة او عشيرة فإنه لا يسعى للاستماع إلى المديح والإشادة، بل يريد ان يسمع مشكلات الناس وهمومهم وقضاياهم التفصيلية، وأن يرى في الجالسين معه انعكاسا حقيقيا لوضع من يمثلون، وعندما يستمع الى سياسي - في جلسة خاصة- فإنّه يود ان يستمع إلى تقييم موضوعي عن الواقع السياسي، والجانب الآخر للصورة التي قد لا تتحدث عنها الحكومات، وعندما تتاح الفرصة لوجيه أو ممثل للناس أن ينقل للملك رؤية طبقة أو شريحة معينة فإنّ المتوقع أن يكون الحديث في صلب القضايا وبجرأة وصراحة يقتضيها الحرص على الأردن والإخلاص لقيادته، لكن الهروب إلى الشكليات او استغلال اللقاء لمصالح خاصة يحول هذا السياسي او الوجيه الى صاحب (استدعاء) او (مضبطة) لكنها بشكل مختلف.
وفي اللقاءات العامة مع الملك يفترض ان يقدم البعض اراء مكتوبة او افكارا للمشكلات والحلول بدلا من الحديث العام. فكثير من مناطقنا لها مشكلات وتعاني من نقص في بعض الخدمات، لكن التحضير الذي يجعل من اللقاء مثمرا يكون عبر تنسيق ان امكن مع بعض الحضور، وتقديم رأي مكتوب وافكار محددة لخدمة الناس، وتحديد المشكلات والاولويات، فالكلام العام يطير في الهواء، والشكوى العامة لا تحقق المطلوب.
ونتذكر الملاحظة التي اشار اليها جلالة الملك اكثر من مرة انه كان يطلب من السادة النواب مشاريع تفصيلية محددة لحل مشكلات مناطقهم لكن هذا لم يتحقق، وتحدّث اكثر من مرة عن ضرورة توفر رؤية عملية لمن يتصدرون لتمثيل الناس وتتاح لهم فرص لقاء الملك.
ما بين الحديث الشخصي والمطالب الذاتية او المجاملة والانشاء والمديح والشعر يضيّع البعض هذه اللقاءات. ولو اراد الملك ان يستمع الى قصائد لالتقى الشعراء واصحاب البلاغة، ولو اراد توزيع مال او اعطاء امتيازات لما احتاج الى لقاء الوجهاء والسياسيين. لكن عندما يتم تنظيم لقاء للوجهاء وممثلي الناس، او لقاء لسياسي او نائب او عين فإنّ المتوقع أن يكون لهذه اللقاءات جوهر ومضمون، وحين يقف ممثل لعشائر او صاحب رأي سياسي امام الملك فإنّ المتوقع تقديم رأي او تحليل او نقل نبض الناس، او افكار لحلول، او وجهة نظر، وهذا ما يمارسه البعض. لكن لا يزال البعض يرى في لقاءات الملك حالة احتفالية وتصفيقا وقصائد، وهذا ما لا يريده الملك ولا يحقق اهداف اللقاءات.
نحتاج الى تطوير مناهجنا في التواصل لتكون اطرا عملية منتجة يستفيد منها الناس لحلول مشكلاتهم وتطوير حياتهم وتوصيل صوتهم لصاحب القرار.
هذه اللقاءات الفردية او العامة جزء من آليات الحكم ولا يجوز هدرها او تحويلها الى شكليات، لأنّ الملك عندما يلتقي ممثلي الناس يجب أن يسمع صوتا صريحا، ورأيا مخلصا سديدا، وتشخيصا للواقع وافكارا للحصول، ولنتخلص من البروتوكولات والشكليات التي لا تخدم صاحب القرار، ولا تنفع الناس ولا تحقق مصلحة للاردنيين ووطنهم.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة