لا يحق لأحد ان يمارس دهشة او استغرابا او حتى استهجانا تجاه السياسة الدولية وقبلها الاسرائيلية التي تصدر نحو الشعب الفلسطيني وافرازات انتخابات قال الغرب انها نزيهة، رغم تناسيه انها جرت في ظل الاحتلال.
وربما ذهب بعضنا إلى حد التصديق أنّ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معنييان بالديمقراطية وحق الشعوب باختيار ممثليهم، وتوقع هذا البعض ان يتقبل العالم اختيار الفلسطينيين لحركة لا تعترف بإسرائيل. ونسينا جميعا ما كنا نعتقد انه بديهيات ومسلمات من أن مفاتيح القرار السياسي الأميركي مرتبطة ببوصلة مصالح الكيان الصهيوني، وان أميركا التي حركت جيوشها إلى العراق واحتلت هذا البلد ودمرت مؤسساته وقتلت شعبه لم تكن جاهلة او غافلة عن أنّ العراق لم يملك اسلحة دمار شامل، لكن اصول اللعبة وتبرير العدوان جعلها تضخم هذه الاكذوبة حتى احتلت العراق وقدمت الخدمة الكبيرة للكيان الصهيوني، وبعدها بدأت التسريبات والأحاديث عن الحقيقة التي لم تكن مجهولة، بل مغطاة.
ولا يحق لمن يدعي أنّه يحمل هموم الامة أن يمارس الدهشة وهو يرى التضييق والحصار على الشعب الفلسطيني؛ لأن هذه السياسات أدوات لخدمة دولة الاحتلال، والأهم أنّها اعتراف اوروبي اميركي بأنّ فكرة المقاومة مرفوضة حتى وإن أقرتها القوانين والشرائع الدولية. وعلى البعض ان يتوقف عن توجيه النداءات للمجتمع الدولي بضرورة احترام خيار الشعب الفلسطيني، فهذا المجتمع ليس فاضلا وحريصا على حقوق الشعوب، ودعوات الاصلاح الغربي التي تطارد دولنا ومجتمعاتنا ما هي إلا أدوات لصياغة واقع عربي واسلامي منسجم مع الثقافة الغربية، فالدول التي تطلق القذائف على الأطفال والأبرياء لا يمكن ان تجمع في داخلها حرصا على ديمقراطية وحقوق انسان.
أمّا حماس فكان عليها أن تدرك أنّ الديمقراطية تحت ظل الاحتلال حتى وإن حظيت بدعم غربي فليست جواز سفر للشعوب لتختار ما تشاء، وكان على الحركة أن تدرك أنّ دخولها إلى السلطة وتشكيل الحكومة لا يتم في مدينة فاضلة، وأنّ لهذا استحقاقات تحددها مصالح الكيان الصهيوني، ولهذا فالحصار وقطع المساعدات وكل أشكال العقوبات بحق الشعب الفلسطيني أقل ما يتم توقعه.
على حماس بل وعلينا جميعا ألا نصاب بالدهشة، فحتى المساعدات العربية اقل من الحد الادنى وللتأكيد على أنّها لا تستجيب للضغوطات، لكنها مساعدات شكلية، وعلى حكومة حماس أن تواجه الاستحقاقات كلها؛ فإما الصمود وإما التنازل عن ثوابتها، وهو تنازل ليس مطلوبا أن يتم بشروط حماس، بل بشروط اسرائيل والدول الكبرى.
وربما شعر البعض بالفرح عندما فتحت بعض العواصم الدولية والعربية ابوابها لوفد حماس, واعتبروا هذه الزيارات فتحا مبينا، تماما مثلما فرحت السلطة تحت حكم فتح بالسجاد الأحمر والاستقبال الرسمي الذي لم يشفع لعرفات عندما كان القرار الاميركي- الاسرائيلي بحصاره وسجنه حتى الموت. وتناسى هؤلاء أنّ مصالح الجميع مع اميركا واسرائيل اكبر من مصالحهم مع حكومة حماس، فتلك النشوة ذهبت وجاء اوان الاستحقاقات، لهذا اعتذرت مصر عن استقبال وزير خارجية حكومة حماس، وحتى لو استقبلته بعد ذلك فالاعتذار رسالة يفترض أنّها وصلت، فمصر تريد الحديث حول المفاوضات مع الحكومة الفلسطينية، والرئيس مبارك الذي سيقابل ايهود اولمرت بعد تشكيل الحكومة الاسرائيلية لا بد ان يملك ورقة فلسطينية، وإلا فلا حاجة لقدوم الزهار إلى مصر اذا كان لا يحمل جديدا.
على حماس أن تدرك أنّ الوحش الذي يسمى المجتمع الدولي لن يقبل منها المصطلحات الفضفاضة، او الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وانه لا يريد الا اعترافات واضحة صريحة تستجيب لشروط الاحتلال، فإن كانت تتوقع أن وصولها للسلطة لن يكلفها هذا فتلك حسابات بسيطة وغير دقيقة، وإن كانت تعتقد أنّ تعطيلها للمقاومة والحديث عن السلام سيحميها من شراسة الابتزاز الأميركي - الصهيوني فإنّ اعتقادها تعوزه الدقة والكياسة.
ربما على حماس أن تتوقف طويلا. فالخيارات صعبة، والذهاب إلى أمام سيكلفها ثمنا كان يجب حسابه قبل التفكير بالمكاسب. فالقصة ليست ديمقراطية وصناديق اقتراع، بل صراع مع عدو تحكمه هواجس الامن والعقائدية ويسخّر كل ما حوله لغاياته بما فيها صناديق الاقتراع التي تصنع بتمويل اميركي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة