بغض النظر عن التناقض الفكري والعقائدي مع الحركة الشيوعية التي قضى فيها يعقوب زيادين حياته، إلاّ أنّ أبا خليل يتجاوز كل الاطر الحزبية، فهو جزء من الذاكرة الوطنية الأردنية، وعلم من اعلام الدولة التي تضم تحت لوائها كل ابنائها موالين او معارضين؛ خريجي السجون والمعتقلات او حملة الالقاب والمواقع.
وحين يقرأ احدنا كتابه البدايات او ما صدر عنه حديثا من حوارات تحت اسم "ليست النهايات" يشعر انه أمام جزء من الذاكرة الأردنية. فهو أحد أطفال قرية السماكية في محافظة الكرك ويحمل في سيرته الكثير من محطات السياسة بكل تفاصيلها. وبعد (84) عاما من عمره يقف ابو خليل على انقاض تجربة تحمل الكثير من المرارة والاخطاء للحزب الشيوعي الذي لم يستطع ان يقضي فيه ابو خليل السنوات الأخيرة، فغادره نحو اطار جديد يحمل اسم الشغيلة، لكنه ترك وراءه تساؤلات كبيرة حول أمراض الحياة الحزبية بيمينها ويسارها.
يعقوب زيادين ليس عضوا سابقا في الحزب الشيوعي، بل جزء من مسيرة اردنية، ومن حقه حتى ممن يختلفون مع خطه الفكري أن يقدروا نضاله واجتهاداته، ولعل من الضروري أن نغير من نهجنا الذي يتجاوز الأحياء ولا يتذكرهم إلاّ بعد الموت. فأبو خليل ليس فقط ابن الكرك واحدى قراها الغارقة في الفقر، بل المناضل عن قناعة ودفاع عن أفكار قد يختلف بعضنا معها، لكن له شرف الصدق، وربما تكون علاقته مع الشيوعية علاقة مع إطار للنضال ورفض الفقر والظلم وليست علاقة مع إلحاد ديني، وهو الذي يقول عن نفسه أنه بدأ حياته متدينا جدا، وهو ابن اسرة مسيحية من قرية السماكية.
ود. زيادين الذي يذكره الناس باعتباره ابن الكرك الذي فاز في الانتخابات النيابية عن مقعد القدس، واحد من الذين مارسوا الصدق حتى مع رفاقهم، وخاض معارك داخل الحزب الشيوعي وهو الذي يقول عن حقبة ستالين: " فكل حزب شيوعي في تلك الحقبة خلق ستالينه الخاص به وعلى مقاسه الخاص".
ابو خليل يقدم خلاصة جميلة عن استقلاله الحزبي عن سطوة حزبه: "ومما ساعدني في المحافظة على صلابة موقفي استقلاليتي الاقتصادية التي كنت حريصا عليها دوما". ويضيف " لأكتشف متأخرا أنّ هذه الاستقلالية الاقتصادية ساعدتني على المحافظة على موقفي". فمن ربط رزقه ورزق أطفاله بمؤسسات حزبه وأمواله لن يستطيع امتلاك القدرة على نقد سياسة خاطئة في حزبه او ممارسة استقلاله في رفض الخطأ.
ابو خليل إحدى القصص الأردنية، وهو الذي يتحدث عن بعض الصدق الأردني في مساندة ثورة عام 1936 حيث يقول: "وأذكر اننا كنا اطفالا نجمع قروشنا القليلة لنقدمها دعما للثورة فيما كانت الاهازيج تتردد تمجد الشهداء..."، وهذا هو السلوك النضالي من طفل اردني فقير في اسرة فقيرة مثل أسر كل من شاركوه جمع القروش للثورة.
ويروي في كتابه "ليست النهايات" قصة طريفة عن والدته الفلاحة التي شاركت في تظاهرات للمطالبة بإطلاق سراحه مع معتقلين آخرين حيث قابلن المرحوم هزاع المجالي، وكان وقتها وزيرا للداخلية، وكان معها ابنه خليل وعمره انذاك حوالي اربعة اعوام الذي صعد الدرج صارخا "وينو هزاع بدي أطخه"، فارتفع صوت والدتي الفلاحة: "يا خيّي يا هزاع لماذا لا تلغوا قانون الطوارئ" وبعدها بأيام تم اطلاق سراح المعتقلين.
ما نكتبه ليس توثيقا لسيرة د. زيادين بل محاولة للإشارة إلى أنّ الوطن هو مجموع رموزه ايا كانت مواقعهم في الموالاة والمعارضة. فهم المجموع الجبري لتاريخنا السياسي والاجتماعي،  فكل منهم أراد خدمة بلاده وفق رأيه واعتقاده، لكنهم جميعا جزء من تراب الاردن.
فسنوات وعقود الاردن تحمل ذكريات ومواقف وانجازات واجتهادات لهؤلاء: حسين الطراونة، هزاع المجالي، حابس المجالي، وصفي التل، يعقوب زيادين، احمد قطيش الازايدة، والكثير من الرموز الذين يستحقون حجز مكان لهم في ذاكرة الأردنيين حتى وإن حملت مسيرتهم اخطاء واجتهادات قد لا نتفق معهم.
من حق أبي خليل وهو بيننا أن يشعر باحترام لرمزيته وتاريخه، ومن المؤكد أنّ صفحات تاريخ الأردن فيها الكثيرون الذين يستحقون التقدير، لكننا نحب أن نذكره وهو حي يُرزق. فالوفاء يمكن أن يكون في غير حفلات التأبين وكلمات الرثاء.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة