حكومة حماس ليست المسؤولة عن القمع والحصار الاسرائيلي والدولي الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، فتاريخ الصراع سجل انحيازاً دولياً ظالماً للسياسة الاسرائيلية منذ وعد بلفور وحتى تعطيل الولايات المتحدة لقرار مجلس الأمن بإدانة القصف الاسرائيلي قبل ايام.
الأمة لا تحتاج إلى أدلة حتى تتكون لها القناعة بأن المجتمع الدولي ظالم، وأن اسرائيل دولة عدوان واحتلال، فالرخاء لم يكن يعم الشعب الفلسطيني قبل فوز حماس، ولن يعود اليه فيما لو غادرت حماس الحكومة طوعاً او كرهاً، فإسرائيل هي ذاتها، لكن المشكلة فيمن يغمضون أعينهم عن حقيقتها وتاريخها ونظرتها للتسوية.
مشكلة حماس أنها اشترت الوهم حينما تجاوزت كل تقسيماتها السابقة للسلطة والانتخابات، وتحولت في نظرتها الى هذه المؤسسات باعتبارها تكريساً لشرعية الاحتلال وافرازاً من افرازات التسوية واوسلو الى كونها منابر للديمقراطية.
ورغم القناعة بحسن نوايا حماس ورغبتها في تطوير خدمتها للقضية الفلسطينية، الا أنّ الامر يتعلق بالنتائج، فقد نسيت حماس أنّ السلطة الفلسطينية جسم سياسي افرزته عملية سلام ظالمة، وأن منظمة التحرير رضيت به لأنّه خيارها الذي تؤمن به. لكن هذا الجسم اشبه بلعبة هامدة تنتشر فيها الانابيب التي تمنحها الحياة الوهمية، فأنبوب للاقتصاد والمساعدات الاميركية الغربية، وآخر للصلاحيات بيد إسرائيل، واخر لموارد الجمارك والضرائب تحت رحمة حكومة الاحتلال، وحتى التنقل بين أجزاء السلطة خاضع لقرار أمني اسرائيلي، وكان هذا الجسم يستمد حياته الوهمية من هذه الأنابيب.
وكانت الحكومات السابقة تحقق الحد الأدنى من الرضى الأميركي- الإسرائيلي لهذا لم تتعرض لانتكاسات ومقاطعة وحصار كامل، لكن مجيء حماس جعل الحكومة الفلسطينية تعيش الآن في عزلة وحصار وقطع مساعدات، بينما الرئاسة الفلسطينية ما زالت تحظى بالحياة وتفتح لها الأبواب لكنها حياة (تحت الاجهزة).
وخطأ حماس انها اشترت وهم السلطة، ونسيت ان هذه السلطة غير قابلة للحياة ضمن الشروط القائمة على ثوابت حماس، ومقابل هذا قدمت حماس ثمناً اظنه كبيراً. فالعمل العسكري المقاوم متوقف منذ عام ونصف تقريباً قبل التهدئة وخلالها، والآن يتوقف كاستحقاق لفوز حماس، والحكومة في اولى جلساتها أعلنت استعدادها للتنسيق مع الوزراء الاسرائيليين والتطبيع مع اسرائيل في القضايا الميدانية والحياتية لكن اسرائيل هي التي ترفض وتقاطع، وحماس حاولت أن تبدو معتدلة فتحدثت عن فكرة الدولتين، وجددت الحديث عن الهدنة الطويلة، وقدمت حكومتها بياناً للمجلس التشريعي ليس بيان مفاوضات لكنه ليس بيان مقاومة، وكانت تعتقد أنّ كل هذا سيفتح أمامها الأبواب، لكنها نسيت أنّ المجتمع الدولي لن يقبل بعدما قدمت منظمة التحرير أن يكون البديل صاحب تنازلات أقل.
كان على حماس ان تبقى على قناعتها بأن اوسلو لم تأت بدولة ولا سلطة حقيقية، وأنّ الاحتلال ما زال صاحب السيادة؛ فها هي حكومة حماس تراقب مثلما كانت تراقب الحكومات السابقة قصف غزة واغتيال رجال المقاومة، والفرق ان حماس كانت سابقاً ترد على العدوان بعمليات عسكرية أمّا الآن فالشجب والاستنكار والادانة، والموقف من العمليات العسكرية جيد نظرياً من حيث وصفه بحق لكن هذا ليس دور حماس.
وكما أنّ لحماس علينا واجب المساندة والدعم في مواجهة الضغوط والابتزاز الصهيوني الأميركي فإن لها ايضاً في اعناق انصارها حق النصيحة. صحيح أنّها لا تتحمل مسؤولية الحصار الذي يجري فإنها تتحمل واجب تقييم مسيرتها. ففي هذه المرحلة من شكل السلطة وبنيتها يكون العمل السياسي ودخول السلطة امراً مؤذياً وبخاصة اذا كان ثمنه المسار الحقيقي للحركة سواء توقف بشكل مؤقت او اكثر من ذلك، وما نتمناه ان يكون حجم الثمن المدفوع حتى الآن هو كل شيء حتى يتحقق قول هنية بأن القلاع لن تنهار، فهذا المسار كفيل على الأقل بهز القلاع.
ما نتحدث عنه ليس خروج حماس من الحكومة او البقاء فيها، فهذا امر له معادلاته وتفاصيله، لكن الحديث عن أصل القضية والمسار. ومن الواضح أن حماس بدأت تدرك حجم التحديات، ولهذا تتحدث عن حكومة ائتلاف وطني، لكن حتى هذا الائتلاف لا يريده البعض لأن المطلوب أن تسقط حكومة حماس، واخرون يريدونه لكن مقابل تنازلات من حماس، فالخيارات صعبة، لكن المهم أن لا يكون ميزان الخسائر كبيراً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة