أشغلت الحكومة نفسها وأجهدتها بقضية صلاحية الحليب الذي تقدمه لطلبة المدارس الذين صنفتهم على أنهم طلبة مدارس المناطق الفقيرة. وهنالك لجان تعمل منذ فترة للتأكد من الشروط الصحية، وذلك بعد حديث عن عدم صلاحية الحليب في بعض المناطق.
واذا عدنا الى اصل القضية، فان الهدف هو تحسين شروط تغذية هؤلاء الطلبة الذين ينتمون إلى عائلات فقيرة، وهو هدف ايجابي، لكن اختيار مادة غذائية سهلة الفساد، وتحتاج الى شروط سلامة دقيقة، امر يفتح الباب امام الاخطاء. كما ان توزيع الحليب صباحا في سيارات مبردة من قرية إلى اخرى امر مكلف، وغير عملي. واذا عدنا مرة اخرى الى الغاية من المشروع، فان امام الحكومة فرصة لاعادة النظر في اسلوب تقديم تغذية مناسبة للطلبة المستهدفين من المشروع؛ فالحليب ليس السلعة او المادة الوحيدة التي تحتوي مواد غذائية مميزة يحتاجها الطلبة، واذا قدم اهل الاختصاص مشورة للحكومة، فستجد قائمة من الاغذية التي يمكن ان تقدم للطلبة، وتكون مواد لا تحتاج الى شروط سلامة كبيرة، وبما يخفف التكلفة التي تدفعها الحكومة لتوزيع الحليب صباحا من مدرسة إلى اخرى، ومن قرية إلى اخرى.
واذا وسعنا اطار الاقتراح، فان تناول الطالب كأس حليب او حبة تفاح تقدم له خدمة شخصية، لكن ما هو اكثر فائدة ان تفكر الحكومة بتقديم رزم غذائية اسبوعية لهذه الفئات من الطلبة، تتضمن مواد واغذية ذات فائدة كبيرة، قابلة للحفظ بحيث تكفيه لأسبوع. والاهم، ان هذه الرزمة الغذائية يأخذها الطالب الى البيت، ويمكن لكل الأسرة ان تستفيد منها، بل يمكن اعتبارها نوعا من المساعدة المباشرة للعائلات الفقيرة. ومجموعة من المواد الغذائية، من الجبنة وبعض الفاكهة والمربى وغيرها، ستشكل اضافة نوعية لتغذية الأسر الفقيرة، أما اذا كان الحليب ضروريا، فيمكن أن تقدم للطفل كمية من حليب البودرة كل شهر، تقوم امه باعداده له في البيت.
الاسر الفقيرة تحتاج الى كل قرش، او علبة جبنة، او حتى فاكهة، ذلك أن الدخل المحدود والقليل تؤثر فيه كل اضافة، حتى تلك التي يراها المقتدرون امرا صغيرا. وربما لو اردنا توسيع اطار الفكرة، لطالبنا القطاع الخاص بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لجعل المشروع اكثر جدوى وتأثيرا في حياة الأسر الفقيرة، وابنائها الطلبة؛ فلو كانت الرزمة الغذائية اكبر حجما، وتتضمن تنوعا اكثر، فإننا سنكون قد اقتربنا من تحقيق تغذية سليمة وآمنة للطلبة المستهدفين.
ولو ذهبنا خطوة الى الامام، لرأينا في هذا المشروع خطوة نحو مشروع وطني آخر كبير، يتجاوز كأس الحليب او الرزمة الغذائية الى حالة عون بمشاركة الحكومة والقطاع الخاص لتأمين الملابس، والتغذية، والحقيبة المدرسية والقرطاسية لهذه الفئات الفقيرة؛ فكأس الحليب قد يكون مهما، لكنه يتلاشى امام الحاجة الى حذاء، او فقر وجبات الغداء او العشاء في البيت، او العجز عن شراء ملابس للشتاء، او الدفاتر واقلام الرصاص.
سنعود الى فكرة تم طرحها مرارا، وهي الحملات الموسمية الموجهة، مثل حملات اللباس الشتوي او تأمين متطلبات المدارس او التدفئة، فالعمل المنهجي اكثر قدرة على التأثير، والفقراء بحاجة الى لمسة تعاطف، على أن تكون مبرمجة وقادرة على التأثير.
واخيرا، فان المبادرة الملكية التي تم بموجبها تقديم 850 الف معطف شتوي لطلبة المدارس الحكومية حتى الصف السادس قدمت ابتسامة لحوالي مليون طفل اردني، فما الذي يمنع اهل الخير، او حتى الحكومة، من البناء على هذه المبادرة الكريمة بتوسيع اطارها لتشمل الطلبة ممن هم اكبر من الصف السادس؛ فالخير مثل الزهور، ليس فيه امر سيئ او غير جميل، لكن الباقة الاكثر تنسيقا وترتيبا قادرة على بعث التفاؤل والفرح اكثر من وردة منفردة لا تحظى برعاية صاحبها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة