ما بين دمشق ورام الله وغزة تبدو صورة طبقات الحكم الفلسطيني مؤسفة، وهنا لا نتحدث عن صاحب السند في القانون او الدستور الفلسطيني، لكننا نشير الى حس المسؤولية وإدراك المعاناة والحصار والقتل اليومي الذي يعانيه الشعب الفلسطيني.
فالشعب الفلسطيني ليس معنياً بخلافات بين الحكومة والرئاسة حول تعيينات في المجلس التشريعي او الداخلية أو أي قرارات. فكل ما يجري لا يمكن تفسيره الا في سياق التنافس الفصائلي بين فتح وحماس، فكل طرف يحاول ان يضع (عصمة) السلطة في يده، وان يثبت انه يحمل صولجان الزعامة في سلطة تفتقد الى السلطة وتغيب عنها بديهيات الدول وهي السيادة.
فتح وحماس صدقتا أن ما هو موجود سلطة، لهذا فالتنازع فصائلي، والكل يدعي انه يتخذ القرارات لمصلحة الشعب الفلسطيني وللدفاع عنه، لكن أين هي مصلحة الشعب الفلسطيني من الاتهامات المتبادلة والتنازع على شاشات الفضائيات والمهرجانات على تعيين موظف، أو قرار بإنشاء إدارة، او السيطرة على المعابر أو غيرها من القضايا الشكلية التي حكمت العلاقة منذ تشكيل الحكومة الجديدة.
محمود عباس حظي من حركة بإشادة ومديح بعد الانتخابات لأنه حافظ على الشفافية والديمقراطية وأنجز انتخابات حرة، وقبل يومين اتهمه خالد مشعل بأنه جزء من مؤامرة أميركية صهيونية على الحكومة، وانه من أتباع الصهاينة، وفتح تتهم مشعل بأنه يثير الفتنة ويفتح الباب لحرب أهلية. والسؤال: ماذا سيعود على الشعب الفلسطيني من رئاسة تتهمها الحكومة بالتآمر مع اسرائيل ضد الشعب؟ وحكومة تتهمها فتح بأنها تفتح الأبواب لاقتتال داخلي؟ وما بين العمالة والحرب الأهلية قصة تتعلق بالنوايا، والأهم الأولويات، فكل يبحث عن سلطة في إطار ليس بالسلطة حتى وإن حمل شكلياتها.
النتيجة المباشرة لهذه الاختلافات والتراشق أن قضية الشعب الفلسطيني تضيع، والتعاطف والتضامن مع هذا الشعب في مواجهة الحصار الدولي السياسي والاقتصادي يتم هدره من قبل قادة الحكومة والمعارضة. فأصواتهم الهادرة على الفضائيات والمهرجانات ليست ضد اسرائيل، وليست لجلب التضامن بل للمعركة الداخلية وتبادل الاتهامات، والمستفيد هي اسرائيل التي ستقول للعالم ان حكومة حماس في نظر المعارضة الفلسطينية تعمل لإشعال حرب أهلية، وانها سبب عزلة الشعب الفلسطيني، والرئاسة في نظر الحكومة متآمرة مع اعداء الشعب الفلسطيني لإفشال حكومته التي تعمل من أجله، انها صورة مأساوية وممارسات غير مسؤولة.
العبرة ليست فيمن يملك الحق القانوني لما يفعل، بل فيمن يملك حس المسؤولية وترتيب أولويات لما عليه فعله، فما يجري توجيه لطاقات القوى الفلسطينية للتنازع الداخلي، واستنزاف لكل الجهود في صراع رديء في مرحلة صعبة جداً على الشعب الفلسطيني، فما هي مشروعية البحث عن حلول لأزمة الناس والعالم كله يشهد الانشغال بالصغائر بين سلطات الحكم الفلسطيني وتبادل الاتهامات، واستعمال أعلى مستويات نبرة الصوت في الخطابات والتصريحات لإدانة الآخر وتحميله مسؤولية الوضع الفلسطيني المتردي.
مهما تكن قضية الشعب الفلسطيني عادلة فإنّ الأداء الأناني من أطراف المعادلة الرسمية الفلسطينية كفيل بإضعاف منطقها العادل، وحكومة حماس التي يحاول البعض تحميلها سبب العزلة التي يعانيها الشعب الفلسطيني ستكون في مواجهة اتهام بأن عجزها عن حل مشكلات الناس ذهب بها الى الدخول في نزاعات مع حركة فتح والرئاسة، لكن المحصلة أننا نشهد انحداراً مسيئاً للشعب الفلسطيني ولا يخدم الا اسرائيل وسياستها في تقديم السلطة والحكومة باعتبارهما خارج إطار الرشد والسلام.
اسرائيل لا تريد من حماس الاعتراف بها، فما يجري الآن ثمن كبير يقدمه أصحاب القرار الفلسطيني لحكومة أولمرت ذات الخطوات الأحادية.
لو شاهدنا أسرة يعاني أطفالها الجوع والمرض والأب والأم يقتتلان حول صلاحية حمل مفتاح البيت أو من يشغل اسطوانة الغاز أو من يحمل المحفظة الخاوية. فماذا نقول عن الأب والأم؟! فما يجري في فلسطين أشد مأساة من هذا المثال، بخاصة أن خارج أسوار السلطة الوهمية التي يقتتل عليها القادة في دمشق ورام الله وغزة عدو متربص ماكر لا يفوت فرصة مهما كانت صغيرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة