أمس قفز الشعب العراقي خطوة إلى الأمام، وحقق اختراقا لحالة الاستقطاب والجمود التي أصابت العملية السياسية طيلة الشهور السابقة، ما أدّى إلى تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية وبزوغ شبح الحرب الأهلية. فقد كان هناك تفاهم وتوافق على تقاسم النفوذ داخل السلطة بين القوى السياسية الرئيسة. كما وافق الائتلاف الشيعي على استبعاد اسم رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري، من دون حرب أهلية ودماء.
آن الأوان ليدرك العراقيون أنّ اللعبة "صفرية"؛ فإما أن يكسب العراقيون جميعا أو لا قدر الله يخسرون جميعا، فالحرب الأهلية والنزاعات الطائفية وتغليب صوت المتطرفين والمجانين من الجانبين سيؤدي إلى انهيار العراق وتدمير مستقبل الشعب العراقي ليس فقط على الصعيد السياسي بل على الصعيد الإنساني والثقافي والاجتماعي. في المقابل لا بديل للعراقيين بأن يتجاوزوا منطق الثأر والشك وسوء الظن وأن يتحاوروا بأجندات واضحة معلنة بلا مشاريع خلفية، وأن يسعوا إلى بناء تقاليد سياسية تكرس حياة جديدة لكل العراقيين، تعوِّض الإنسان العراقي عن الحياة البائسة خلال العقود السابقة من استبداد إلى احتلال.
ما جرى أمس يثبت تماما أن العراقيين لم يفشلوا بالامتحان، وأنهم ما يزالون يتخلصون من التركة السابقة التي خلفت مشكلات كبيرة تحتاج إلى وقت أطول للتغلب عليها. ويثبت كذلك أن الطريقة الناجعة في حل المشكلات والخلافات الداخلية هي الطريقة "العراقية" لا غير، فلا حوار أهم وأجدى من الحوار الوطني الذي يضع العراقيين وجها لوجه أمام مشكلاتهم وقضاياهم وأزماتهم، ويسمع الجميع هواجس الآخرين وطموحاتهم ويتم بناء مفاهيم مشتركة لمستقبل العراق. أما الحوار على طاولة الاحتلال الأميركي أو انتظار نتائج المفاوضات الأميركية- الإيرانية فهو إهانة لا تليق بحق الشعب العراقي الكريم الذي ورث الحضارات الإنسانية وتراثها الكبير.
ما هو مطلوب من القوى العراقية اليوم الانتقال من الاتفاق على قواعد اللعبة السياسية إلى الاتفاق على هوية العراق وملامح المستقبل القادم، من خلال بناء عقد اجتماعي- مدني جديد توضع فيه كل المشكلات والقضايا الحيوية على الطاولة ويتناقش الجميع بها من خلال تغليب منطق الجوامع والحوار على الصراع والاحتراب.
الأولوية الكبرى اليوم هي لتكريس قضية "المواطنة" والمفاهيم المدنية في بناء مؤسسات الدولة وتعريف العقيدة العسكرية للأمن والجيش بحيث يدرك كل فرد في مؤسسات الدولة والجيش أنه لخدمة العراق الوطن والمواطنين وليس في خدمة طائفة ضد طائفة أخرى. بلا شك يحتاج العراقيون وقتا لذلك لكن لا بد أن يكون هذا هاجس الجميع لأن فيه اكتمال معاني السلم الأهلي والاجتماعي والمدني.
ومن أولويات الشعب العراقي مراجعة دور الدين في الحياة الاجتماعية، وعقد اجتماع لعلماء الدين والفقهاء من الشيعة والسنة لوضع الملامح العامة لدستور الوحدة الدينية والثقافية بين العراقيين، وطبيعة المناهج التي تدرس في المدارس والجامعات بحيث تأخذ الجوامع الدينية والوطنية وتبتعد عن مصادر الاحتراب في التفسير والفتوى والتاريخ. ولا بد من تشكيل هيئة دينية تراقب الخطاب في المساجد وتؤهل الأئمة وتعقد الدورات المشتركة لبناء لغة دينية تكون عاصما لدماء العراقيين وحرماتهم ومقدمة نحو دور تنويري للإسلام، كي لا يتحول الدين إلى مطية لكل صاحب هوى أو مريض متطرف ليجعل منه عامل صراع وفرقة واقتتال.
أخيرا؛ المستقبل أمام العراقيين وعليهم أن يحددوا ماذا يريدون: عراقا مستقلا موحدا يجعل من التنوع الديني والعرقي عامل تنوع وثراء حضاري ينعم الناس فيه بالأمن والسلم والحرية والهواء النقي، أم عراقات مقتتلة متحاربة وجغرافيا لحسابات إقليمية ومصالح خارجية على حساب العراق وثروته وإنسانه.
فلنتفاءل بحكمة ووطنية العراقيين، ولا أظنه رهاناً فاشلاً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيف محمد ابو رمان   جريدة الغد