الفئة القليلة المتابعة لعمل احزاب المعارضة والحكومة تقرأ منذ اسابيع حكاية "الاعتصام"، فأحزاب المعارضة على قناعة بأن واجبها تجاه الشعب الاردني يُحتم عليها تنظيم اعتصام احتجاجا على رفع الدعم عن المشتقات النفطية، اما الحكومة فرفضت اكثر من مرة السماح بهذا الاعتصام, وحرمت هذه الاحزاب من حقها في التعبير. لهذا بقي بند الاعتصام على جدول اعمال الاحزاب تؤكد عليه وتسعى لتنظيمه حتى وإن كان هذا بعد شهر على رفع الأسعار، وبعد ان تسلم الناس التعويض وأصبحت الأسعار الجديدة واقعا في حياة الناس.
الحكومة واحزاب المعارضة يفكرون بالطريقة نفسها. فالحكومة تعتقد أنّ الاعتصام سيعبث بأمن البلاد، وانه على حساب الاستقرار. أمّا احزاب المعارضة فتعتقد أن ممارسة حقها في الاعتصام سيقدم خدمة جليلة للشعب الاردني وسيكون أحد الردود المهمة على سياسات الحكومة الاقتصادية، وسيكون للاعتصام صدى في مسار الدولة، وربما يعتقد البعض ان هذا الاعتصام سيكون بنداً هاماً في تقارير الأحزاب الداخلية حين تستعرض انجازاتها امام هيئاتها العامة.
حساسية الحكومة المفرطة في منع الاعتصام لا تختلف عن اصرار الاحزاب على اقامة الاعتصام. فكلا الامرين لن يقدم ولن يؤخر، فلو تم الاعتصام وتجمع عشرات الحزبيين امام رئاسة الوزراء او مجلس النواب فلن يهتز الأمن والاستقرار، ولن يضطرب الأمر، فالاعتصامات في بلادنا نخبوية جداً، وكثيراً ما كان الحضور رمزيا، بل ان قيادات بعض الأحزاب التي تدعو لبعض النشاطات تغيب، وبعضها ليس لديه أعضاء ليرسلهم الى أي نشاط. والنشاط الذي لا تتبناه جماعة الاخوان، وليس حزب الجبهة، يبقى رمزيا وشكليا حتى وان كان في قضايا مهمة للناس.
اما الأحزاب فإنّ اصرارها على الاعتصام امر مفهوم ويعود الى غياب الخيارات الاخرى، وهي ترى أنّ الاعتصام امر مهم، ومن اكثر عمليات الاحتجاج المتاحة؛ فتحاول القول: إنّها متعاطفة مع المواطنين، وانها لم تخذل الفقراء ولهذا تُصر على الاعتصام الذي قد يصل خبره إلى الناس اذا تمت تغطيته من قبل بعض الفضائيات.
بالمناسبة، الأحزاب معذورة فهي لا تملك أدوات او خيارات او حضورا حقيقيا؛ لهذا تحاول ان تقول انها موجودة بما هو ممكن. بل ان رفض الحكومة السماح بالاعتصام، قد يكون مفيداً اكثر لاحزاب المعارضة لأنه يحوّل الأمر إلى قضية متفاعلة، أمّا لو تم الاعتصام وحضره البعض فهو ليس اكثر من خبر في الصحف، ولو كان لدى احزابنا أدوات سياسية حقيقية لما كان الاعتصام والبيان هما وسيلة ابداء التعاطف مع الجماهير.
كلنا نمارس سياسة (رفع العتب). فالحكومة ترفع الاسعار، وتعلن انها تمارس خياراً صعباً، وتتضامن مع الفقراء، و(ترفع العتب) بتعويض مالي، قد لا يصل الى بعض فئات الفقراء بسبب الجداول، والنواب (يرفعون العتب) بتصريحات وبيانات تندد برفع الاسعار، وهم الذين اقروا الموازنة، والأحزاب تحاول (رفع العتب) عن نفسها ببيانات وربع اضراب وفكرة اعتصام. كلنا نمارس رفع العتب والتضامن مع الناس، لكننا جميعا ندرك أن ما يستقر على الارض هو الأسعار الجديدة، فكل تضامننا حكومة واحزابا، ونوابا وأعيانا وإعلاما، لم يمنع سندويشة الفلافل من الانتقال من (15-20) قرشا، ولم يمنع اصحاب المخابز من الالتفاف على اسعار الخبز ورفع اسعار (الخبز المحسن) والكعك وغيرها من السلع الاساسية.
نرجو من الحكومة ان تسمح بالاعتصام فهو حق للأحزاب، وهو جزء من منظومة العلاقة بين احزاب عمان ونخبها وحكومتها. أما المواطن فليس معنيا بتعاطف الحكومة او اعتصامات وبيانات الاحزاب او حكي الجرايد وتضامن النواب. فالمهم ما يصل الى جيبه وما يراه من ارتفاع أسعار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة