العلاقة التاريخية بين العامل وصاحب العمل كانت تحتاج الى توازن يصنعه التشريع او قوة العامل كقوة اجتماعية، لأنّ رأس المال يعمل دائماً على زيادة ارباحه، وتوسيع استثماراته واستنزاف كل طاقات واوقات العامل بأقل التكاليف، وهذه المعادلة صنعت تاريخاً اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً في اوروبا واميركا.
اليوم يحتفل عمال العالم بيومهم العالمي ومنهم عمال الأردن، وربما يكون العامل بحاجة الى مزيد من العون والسند لأنه لا يجوز أن يترك في مواجهة رأس المال، وبخاصة في ظل مسار الاقتصاد الأردني وتزايد كلفة المعيشة، كما أنّ بعض الاوساط الرسمية تذهب في تفكيرها الى حد اعتبار فرصة العمل هي الهدف بغض النظر عن جدواها ودخلها ومردودها على حياة العامل، ولهذا ما نزال نرى آلاف الوظائف لا تعود على العامل بأكثر من (100) دينار، وما يزال الحد الادنى من الأجور (95) ديناراً، رغم اعتراف اهل الاقتصاد بأنّ هذا المبلغ لا يمكن اعتباره راتباً يكفي لبناء اسرة او حتى تغطية تكاليف معيشة العامل بمفرده.
عمال الأغوار وتحديداً شركة البوتاس يحتفلون بالعيد على طريقتهم الخاصة مطالبين بتحسين امتيازاتهم الوظيفية، وهذه مطالب وطموحات مشروعة لمن يعملون في شركة بحجم البوتاس التي لم تعد شركة حكومية بل تداخل فيها الشركاء. ولعل فكرة الاضراب هي الخيار الأصعب ليس على ادارة الشركة فقط، بل على العمال ايضاً؛ لأنّ هذا يعني الدخول إلى الخيار الأخير، كما ان اي عامل يحب مصنعه والآلات التي يعمل فيها ومعها؛ لأن بعضهم يراها اكثر مما يرى أسرته، وهو يقضي الليالي والايام في المصنع.
ظاهرة صحية أن تبحث الفئات الاجتماعية والاقتصادية عن تطوير حقوقها المعيشية بالوسائل السلمية، بما فيها الاعتصام والاضراب، بخاصة عندما لا تكون المبادرات من الادارات. فالأصل ان تكون ادارات شركات القطاع الخاص حريصة على مصالحها عبر الدراسة الدائمة لأوضاع عامليها وتحفيزهم على العمل وتقدير تغيرات تكاليف المعيشة، لكن بعض الادارات تحاول زيادة ارباحها، وتعتقد أنّ مرور يوم من دون اي تحسين لظروف العمال مكسب يضاف الى دفاترها؛ لكن المصلحة الحقيقية لاي شركة ان تعمق انتماء العامل لها، وان يشعر أنّ المكان له، وإلاّ فحتى لو لم يمارس اضراباً او اعتصاماً فإنه لا يمارس انتاجاً حقيقياً.
ربما لدى البعض قناعة بأن (الواجب) الاّ يتم السماح لعمال البوتاس بالنجاح حتى لا يشكلوا سابقة او نموذجاً لفئات عمالية اخرى. ولولا الخسائر التي تلحق بالمصنع نتيجة الإضراب لما سمعنا الكلام اللين والمجامل للعمال.
ما يطلبه عمال الأغوار ليس اختراعاً او سابقة, فالراتب الخامس عشر تقدمه شركات اقل قدرة وارباحاً من البوتاس، والمطالب الأخرى فنية يمكن تفهمها في شركة يعمل عمالها في ظروف صعبة، واصرار العمال على مطالبهم امر مفهوم، بخاصة في ظل الاستجابات البسيطة من الادارة، فالعناد ليس جزءا من الادارة الحكيمة للازمات، والمراهنة على الوقت نوع من الرهان غير الصحي.
في المحصلة، فإن التوصل إلى اتفاق بين العاملين وإدارة الشركة يخدم الطرفين، أمّا تمترس الطرفين كليهما وراء مطالبهما ورؤيتهما فسيعود بالخسارة على الشركة وسيؤثر على أرباحها، وعلى الطرفين في آن معا، بل وعلى نشاط هام في الاقتصاد الوطني. في تقديري آن الأوان لحل هذه القضية من خلال الحوار البناء والتفاوض المثمر، الذي يكفل تقوية العلاقة مستقبلا، والشعور بوجود بيئة مريحة في العمل تؤدي إلى تعزيز الانتاج.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة